في يوم المرأة العالمي هذا العام، نكتب كلماتنا في واقع استثنائي.
واقع تُقطّعه صفارات الإنذار، وتثقل عليه حرب عبثية تلقي بظلالها على حياتنا اليومية، وعلى مجتمعاتنا، وعلى مستقبل المنطقة بأسرها.
في مثل هذه الظروف، لا يمكن أن نتحدث عن يوم المرأة العالمي بلغة احتفالية تقليدية. بل علينا أن نقرأ هذا اليوم من زاوية أخرى: زاوية الصمود، والمسؤولية، والاستمرار رغم كل الظروف.
فالنساء في مجتمعنا يقفن اليوم في الصفوف الأولى لمواجهة التحديات المركبة التي يعيشها مجتمعنا.
هن الأمهات اللواتي يحاولن حماية أطفالهن من الخوف والقلق في زمن الحرب. وهن النساء العاملات اللواتي يواصلن العمل رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وهن القياديات والناشطات اللواتي يحرصن على إبقاء صوت مجتمعنا حاضرًا في الفضاء العام وفي النقاشات السياسية والحقوقية.
لكن الحرب ليست التحدي الوحيد الذي نواجهه.
فالمجتمع العربي في الداخل يعيش منذ سنوات تحت وطأة تصاعد خطير للعنف والجريمة المنظمة، التي تفتك بحياة أبنائنا وبناتنا وتخلق حالة مستمرة من الخوف وانعدام الأمان.
وهكذا تجد النساء أنفسهن في قلب معادلة قاسية:
بين حربٍ في الخارج، وعنفٍ ينهش المجتمع من الداخل.
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن النساء في مجتمعنا فقط من زاوية المعاناة.
فالنساء الفلسطينيات في الداخل حققن خلال العقود الأخيرة إنجازات مهمة في التعليم والعمل والقيادة المجتمعية. وتشير المعطيات إلى أن الطالبات العربيات يشكّلن اليوم حوالي 60% من مجمل الطلاب العرب في الجامعات والكليات الأكاديمية، في برامج البكالوريوس ( اللقب الأول ) تصل نسبة الطالبات العربيات إلى حوالي 58–60% من مجموع الطلاب العرب, في برامج الماجستير( اللقب الثاني ) ترتفع النسبة إلى نحو 63%. أما في الدكتوراه فتصل نسبة النساء العربيات إلى حوالي 50% تقريبًا من الطلاب العرب.
كما شهدت مشاركة النساء العربيات في سوق العمل ارتفاعًا تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تبلغ نسبة تشغيل النساء العربيات اليوم نحو 43%، رغم استمرار الفجوات الاقتصادية والتمييز البنيوي الذي يحد من فرصهن في العديد من المجالات.
أما في الحياة السياسية المحلية، فقد بدأت مشاركة النساء العربيات في السلطات المحلية تشهد ارتفاعًا تدريجيًا، إذ ارتفع عدد العضوات العربيات في المجالس المحلية إلى 23 عضوة عربية بعد انتخابات السلطات المحلية الأخيرة، وهو تطور مهم مقارنة بالعقود الماضية التي كان فيها حضور النساء شبه غائب عن مواقع اتخاذ القرار.
لكن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، لا تكفي.
فالتحدي الحقيقي اليوم هو أن تتحول هذه الطاقات النسوية المتعلمة والفاعلة إلى قوة مؤثرة في صنع القرار وفي صياغة السياسات التي تؤثر على حياة مجتمعنا.
في مركز مساواة، نرى هذا التحدي بوضوح، ونعمل على مواجهته من خلال دعم القيادات النسوية، وتعزيز مشاركة النساء في السلطات المحلية، وبناء شبكات نسوية فاعلة قادرة على التأثير.
ومن خلال توسيع برنامج شبكة النساء الرياديات، والعمل مع عضوات السلطات المحلية والناشطات في المجتمع المدني، نرى كيف تتحول المبادرات الفردية إلى قوة جماعية قادرة على إحداث التغيير.
فالنساء عندما يعملن معًا، ويتشاركن المعرفة والخبرة والدعم، يصبحن قوة سياسية ومجتمعية لا يمكن تجاهلها.
إن رسالتنا في يوم المرأة العالمي ليست فقط رسالة تقدير للنساء، بل رسالة سياسية واضحة:
لا يمكن بناء مجتمع عادل وديمقراطي دون مشاركة النساء الكاملة في الحياة العامة، ودون حضورهن الحقيقي في مواقع اتخاذ القرار.
فالتحديات التي نواجهها اليوم — من الحروب، إلى العنف والجريمة، إلى التمييز البنيوي — تتطلب رؤية أكثر شمولًا وصوتًا أكثر حكمة ومسؤولية في قيادة المجتمعات نحو مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا.
وربما ما يميز نساء مجتمعنا اليوم هو هذا الإصرار العميق على الاستمرار:
الاستمرار في العمل، وفي المبادرة، وفي حماية المجتمع، رغم الخوف والتعب والضغوط اليومية.
هذا الإصرار ليس مجرد رد فعل على واقع صعب، بل تعبير عن إيمان عميق بأن مستقبل مجتمعنا يستحق أن نناضل من أجله — بالعمل، وبالتنظيم، وببناء الشراكات، وبالمثابرة اليومية.
وفي يوم المرأة العالمي هذا العام نقول بوضوح:
النساء في مجتمعنا لسن فقط جزءًا من الحكاية،
بل جزء أساسي من القدرة على الصمود،
ومن القدرة على التغيير،
ومن القدرة على بناء مستقبل أكثر عدلًا وكرامة للجميع.
ورغم الحرب، ورغم الخوف، ورغم كل التحديات…
النساء مستمرات.
ومعهن يستمر الأمل.






