تتكرر مرة أخرى العبارة نفسها عن “الاستعدادات الأمنية قبيل رمضان”. وتُنشر مجددًا تقارير يحذّر فيها ضباط في الشرطة والجيش من سيناريوهات محتملة خلال شهر رمضان المبارك. ويُعرض الشهر الفضيل مرة أخرى كـ“حدث قابل للاشتعال” يجب الاستعداد له بحالة تأهب خاصة. تخيّلوا للحظة تحذيرات مشابهة تُنشر عشية يوم الغفران في نيويورك. لا شك أن ذلك كان سيُعتبر تحريضًا فظًا.
رمضان هو أطول وأصعب فترة صيام لنحو مليار مسلم حول العالم. وهو شهر مركزي بالنسبة للمسلمين في العالم، ليس فقط بين البحر والنهر. إن العيش في هذا الحيز الذي اختار اليهود العيش فيه يقتضي فهم أهم شهر في السنة بالنسبة للمنطقة العربية والاسلامية. ومع ذلك يصرّ الجهازان السياسي والأمني على تأطيره مرارًا وتكرارًا كشهر متوتر وخطِر. وبدل النظر إليه كفرصة لتعزيز الثقة وحسن الجوار، يجري تصويره بألوان التهديد والعنف.
هناك من يعتاشون من تقديم أنفسهم كخبراء في المجتمع العربي والإسلامي ويواصلون تغذية العنصرية. مستشارون في المنظومة الأمنية يضخّون رسائل إعلامية مبكرة حول “إمكانية التصعيد”. وقد نشر رئيس أركان الجيش إيال زمير تحذيرًا مفاده أن الشهر قد يترافق مع تصعيد أمني، موضحًا أن أي زعزعة للاستقرار في الضفة الغربية ستستوجب تحويل قوات من جبهات أخرى واستدعاء قوات الاحتياط. في الواقع، فإن التوترات الإقليمية الأوسع، بما فيها المواجهات على الساحة الدولية والحرب التي أعلنتها إسرائيل على ايران، هي التي تؤثر في الوضع، وليس مجرد حلول شهر رمضان.
عقد المفتش العام للشرطة داني ليفي، بالتعاون مع وزارة الداخلية، اجتماعًا تحضيريًا مع أئمة وشخصيات عامة من المجتمع العربي. وفي الوقت نفسه أُرسل رجال شرطة لتحرير مخالفات بسبب تجاوز مستوى الصوت في مكبرات الصوت في مساجد بلدات مثل تل السبع واللقية واللد. ويرى كثيرون أن هذه الإجراءات تمثل تطبيقًا انتقائيًا للقانون. كما دفع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بتشريعات تتيح لمتطوعي الشرطة فرض غرامات في مجال البيئة دون تعريف واضح للمخالفات، ما يفتح الباب أمام تطبيق انتقائي ضد المساجد والمؤسسات الدينية.
لفهم معنى رمضان ينبغي النظر إلى الحياة اليومية للصائمين. يبدأ الشهر برؤية الهلال. هذا العام أعلن مفتي القدس بداية الصيام يوم الأربعاء بالتنسيق مع مفتي السعودية، بينما أعلنت دول أخرى في العالمين العربي والإسلامي بداية الشهر يوم الخميس. ويُظهر هذا الاختلاف الطابع الديني والمجتمعي للعملية التي لا تعتمد على آلية سياسية بل على تقليد ديني متجذر منذ قرون.
يمتد الصيام من طلوع الفجر حتى غروب الشمس. وتتشابه أوقات “الإمساك” و“الإفطار” إلى حد كبير مع أوقات يوم الغفران ودخول وخروج السبت في التقليد اليهودي. قبل الفجر يستيقظ الصائمون لتناول وجبة “السحور” التي تساعدهم على الصمود طوال يوم كامل دون طعام أو شراب. وهو جهد جسدي ونفسي كبير يتطلب ضبط النفس والانضباط الشخصي.
في إسرائيل، تتجاهل أماكن العمل والدراسة ساعات الصيام. يخرج العمال إلى أعمالهم كالمعتاد، ويتوجه التلاميذ والطلاب إلى المدارس والجامعات بعد ليلة قصيرة نسبيًا. بعض أماكن العمل تُبدي تفهمًا وتسمح بالخروج المبكر للوصول في الوقت المناسب إلى وجبة الإفطار، لكن لا توجد سياسة عامة تنظم ذلك.
بعد الإفطار تُقام في المساجد صلاة التراويح. الأطفال والشباب الذين لا يشاركون في الصلاة يجدون أنفسهم أحيانًا يتجولون في الشوارع بسبب غياب الأطر الثقافية والترفيهية. ومن يزور الدول العربية يلاحظ أن حياة ثقافية غنية تنشط تحديدًا في ليالي رمضان بعد الصلاة. كثير من المواطنين العرب الذين يسافرون إلى رام الله أو عمّان يختبرون الأجواء الخاصة للشهر. أما في إسرائيل، ففي معظم البلدات العربية تجتمع العائلات في البيوت ويبقى الحيز العام فقيرًا بالنشاطات.
تُعد الصلوات في المسجد الأقصى، ثاني أقدس موقع في الإسلام، حدثًا مركزيًا في كل يوم من أيام الشهر. في ليالي الخميس تنطلق حافلات، كثير منها يُتبرع بها تخليدًا لذكرى أقارب متوفين، لنقل المصلين إلى القدس. في السنوات الأخيرة اتُخذت إجراءات ضد جمعيات ساعدت المصلين القادمين إلى القدس، وأُبعد ناشطون عن المسجد الأقصى لفترات طويلة. هذا العام لا يوجد تنسيق مع الأوقاف بشأن الإجراءات داخل الحرم، بما في ذلك مسألة إدخال الطعام لوجبات الإفطار.
إضافة إلى ذلك، تستمر التغييرات في الوضع القائم في الأقصى التي جرى تنفيذها خلال العامين الماضيين، ومنها تحديد بإقامة صلوات وحلقات دراسية في الجزء الشرقي من الحرم. ويحدث ذلك رغم التزامات سابقة قُدمت للأردن الذي يتحمل مسؤولية رعاية المساجد في القدس. في الوقت نفسه قررت إسرائيل السماح بدخول عشرة آلاف فلسطيني فقط من الضفة الغربية أيام الجمعة خلال الشهر، وفق قيود عمرية، مع تمديد ساعات زيارات اليهود في الصباح. ومنذ اندلاع الحرب مع ايران تم إغلاق المسجد الأقصى امام المصلين.
في المجتمع العربي تتزايد المخاوف من سيناريو تصعيد داخلي. فقد تركت أحداث أيار/مايو 2021 في المدن المختلطة جرحًا عميقًا. وفي بلدات مختلفة وُضعت حواجز وكتل إسمنتية، منها اللد وترابين وجسر الزرقاء وفرديس. كما عززت حوادث قُتل فيها مدنيون خلال مواجهات مع الشرطة شعور انعدام الثقة والخوف من تدهور إضافي.
رمضان هو أولًا وقبل كل شيء شهر ضبط النفس والمراجعة والعطاء. يُؤمر المسلمون فيه بإخراج الصدقات ودعم الفقراء. ومن المعتاد دعوة الجيران والأصدقاء والأقارب إلى موائد مشتركة تعزز النسيج الاجتماعي.
ومن أبرز لحظاته الروحية ليلة السابع والعشرين، “ليلة القدر”، وهي الليلة التي نزل فيها القرآن لأول مرة بحسب التقليد الإسلامي. وقد ورد في القرآن عنها: “سلام هي حتى مطلع الفجر.” هذا الوصف يجسد جوهر الشهر. تاريخيًا تشكل رمضان كشهر للصلاة والتقرب إلى الله وتعميق الروحانية وتحسين العلاقات الاجتماعية، وليس شهر حروب. صحيح أن معارك وقعت في فترات مختلفة بالتاريخ خلال رمضان، لكنها لم تنبع من جوهره الديني. بل إن الصيام نفسه، بما يتضمنه من تقليل للنشاط البدني، يتناقض مع الادعاء بأنه شهر حرب أو جهاد.
إن محاولة تحويل رمضان إلى حدث أمني تعمّق نزع الشرعية عن دين كثير من المواطنين في الدولة والمنطقة. إن حماية حرية الدين والعبادة هي حجر أساس في أي مجتمع ديمقراطي يسعى إلى التعددية الثقافية والاحترام المتبادل.
يطلق مركز مساواة حملة توعية هدفها مواجهة التحريض العنصري ضد رمضان. ويدعو المركز إلى احترام حق المسلمين في الصلاة والصيام وتنظيم حياتهم وفق معتقدهم، كما يدعو الجمهور اليهودي إلى الانضمام إلى المطالبة بوقف التحريض العنصري بحق الشهر المبارك وعيد الفطر. إن حملة التخويف التي تُدار هذا العام هي حملة عنصرية ضد أكثر من مليار إنسان، يعيش كثير منهم في المدن المختلطة والبلدات من الجليل الى النقب.
يعمل مركز مساواة بفضل دعم الجمهور، ودعم نشاطه يتيح الاستمرار في النضال من أجل المساواة وحرية الدين ومجتمع مشترك يحترم جميع مواطنيه.






