بقلم: بكر جبر زعبي
في تجارب تاريخية كثيرة، مرّت شعوب بظروف احتلال أو تهجير أو استعمار، ومع مرور السنوات تراجعت الذاكرة تدريجيًا. خفّ حضور القضية في الوعي الجمعي، أو تحوّلت إلى ذكرى بعيدة، تُستحضر في مناسبات محددة ثم تعود إلى الظل. كان الزمن، في حالات عديدة، كفيلًا بتخفيف حدّة الألم، أو على الأقل بإعادة صياغته.
لكن في الحالة الفلسطينية، يحدث العكس تقريبًا.
ليس فقط أن النكبة لم تُنسَ، بل يبدو أن هناك ما يدفعها لأن تبقى حيّة، حاضرة بل ومتجددة. الواقع نفسه يصرّ على تذكير الفلسطيني بما حدث، وعلى إعادة إنتاج لحظة الاقتلاع بشكل مستمر، فما الحاجة بالحديث عن الذاكرة بينما التجربة تتجدد يوميًا.
جزء من ذلك مرتبط بسلوك إسرائيل. فمنذ قيامها، اختارت في كل محطة تقريبًا إدارة الصراع بدل حله. والرجوع على استخدام القوة في كل مرة، رغم عدم تحقيقها لأي من أهدافها.
في الفترة الأخيرة، يتضح هذا النمط بشكل أكثر حدة. حرب مع إيران، قبلها دمار واسع في غزة وصل إلى حد الحديث العلني عن تهجير سكانها، بالتوازي مع توسع أو حتى تغول الاستيطان في الضفة الغربية، ومع تصاعد سياسات التمييز والعنصرية تجاه الفلسطينيين في داخل.
في الداخل، يكفي النظر إلى ملف الجريمة والعنف. فلا يوجد أي شك بامتلاك الدولة لكل الأدوات، لكنها ببساطة قررت ألا تستخدمها. النتيجة ليست فقط فوضى أمنية، بل شعور عميق لدى مجتمع كامل بأنه مستهدف أو متروك. وإلى جانب ذلك، تتراكم الفجوات في الميزانيات، في التخطيط، في القوانين، في الخطاب السياسي، في كل تفاصيل الحياة اليومية.
وفي المقابل، هناك العامل الثاني: طبيعة الفلسطيني نفسه. التمسك بالأرض، بالرواية، بالتفاصيل الصغيرة، بالأسماء، بالذكريات. تمسك تناقله الفلسطيني من جيل إلى جيل، هوية تورّث، كما الأرض وكما اللغة وكما الجينات. وهذا ينعكس بوضوح أيضًا بتمسك الفلسطينيين في الشتات بقضيتهم وروايتهم.
لم يتحقق الادعاء المنسوب لبن غوريون بأن الكبار يموتون والصغار ينسون، لم يتحقق بسبب إصرار الفلسطينيين وتمسكهم بقضيتهم وتناقلهم للرواية من جيل إلى آخر، ولكن هذا ليس السبب الوحيد، فقد ساهمت اسرائيل بسلوكها وسياساتها منذ النكبة حتى اليوم، بهذا الأمر.
جولة صغيرة في أراضي قرية المجيدل المهجرة في بداية هذا الأسبوع كانت مثالًا إضافيًا.
اليوم تغطي أراضي المجيدل مدينة كاملة، أطلقوا عليها الاسم نفسه طبعًا "مجدال هعيمك".
جولة نظمتها "جمعية إحياء تراث قرية المجيدل" في أراضي القرية، بمشاركة مهجّرين وأبناء وأحفاد من مختلف الأجيال، شملت جولة تعريفية في الموقع، استعرض خلالها المشاركون معالم القرية كما كانت قبل عام 1948. المقابر التي ما زالت موجودة والكنيستين، ثم تحدث الأجداد عما يتذكرونه من القرية، مواقع المدرسة، معاصر الزيتون، الدكاكين، المسجد والكنيستين، قرية بلغ عدد سكانها أكثر من 2200 نسمة، وامتدت أراضيها لنحو 18 ألف دونم.
وتضمنت الفعالية عرض خرائط وصور جوية قديمة أظهرت الامتداد الجغرافي للقرية وموقعها الحيوي بين الناصرة ومرج بن عامر، إلى جانب قربها من سكة الحجاز وخط البترول. كما عرض المشاركون روايات متقاربة حول التهجير، تحدثت عن الحصار وإطلاق النار الذي دفع السكان إلى مغادرة القرية عبر الوادي المجاور باتجاه يافة الناصرة ومناطق أخرى، قبل أن يستقر معظمهم لاحقًا في الناصرة، مع الإشارة إلى محاولات مبكرة للعودة لم تنجح.
اللافت في الزيارة كان حضور الأجيال الشابة إلى جانب من عايشوا التهجير، حيث جرى نقل الرواية بشكل مباشر وربطها بالمكان. بعض المشاركين تمكنوا من تحديد مواقع بيوتهم ومرافق القرية بدقة، رغم اختفاء معظم المعالم.
جولة ببساطتها عكست تمسكًا فعليًا بالأرض واستمرار العلاقة معها، ونقل الرواية من جيل إلى آخر. حضور ميداني، يتكرر هذا الاسبوع في عدة قرى، رغم عدم تنظيم المسيرة المركزية هذا العام بشكلها الطبيعي بسبب ظروف الحرب.
في المجيدل وفي باقي القرى المهجرة، وفي صفحات التواصل الاجتماعي، تأكيدات متتالية بأن الذاكرة لا يمكن لشيء أن يشوهها، وأن تهجير الفلسطينيين من قراهم لا يزال حاضرًا في الوعي الجمعي عبر الأجيال.






