تل عراد - نموذج بسياسة هدم وتهجير عرب النقب - مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في اسرائيل

تل عراد - نموذج بسياسة هدم وتهجير عرب النقب

شارك مع أصدقائك

لم تكن زيارتي الأخيرة إلى قرى النقب المهددة بالهدم مجرد جولة ميدانية بين بيوت مهدمة وعائلات تواجه خطر التهجير، بل كانت مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر السياسات قسوة التي تُمارَس بحق المواطنين العرب في البلاد.

في تل عراد، وقفت أمام عشرات العائلات التي اضطرت إلى هدم منازلها بأيديها. أربعون عائلة، أطفال ونساء وشيوخ، وجدوا أنفسهم خلال ساعات بلا مأوى. لم تهدم الحرب بيوتهم، ولم تدمرها كارثة طبيعية، بل أجبرتهم سياسات الدولة على إزالة ما بنوه بعرقهم وجهدهم خوفاً من اقتحامات الشرطة والغرامات الباهظة.

ما رأيته هناك لا يمكن اختزاله في لغة الأرقام أو في مصطلحات التخطيط والبناء التي تحب المؤسسات الرسمية استخدامها. القضية في جوهرها هي قضية إنسان. طفل فقد غرفته، وأم فقدت بيتها، وعائلة فقدت شعورها بالأمان والاستقرار.

في المقابل، رأيت وجهاً آخر للنقب. رأيت الفزعة والتكافل الاجتماعي والصمود. مئات الأشخاص حضروا لمساندة عائلة النباري. الجميع كان يساعد في نقل الأثاث، وإزالة الركام، وتأمين احتياجات العائلات. في تلك اللحظات أدركت أن ما يحمي الناس ليس فقط القانون أو القرارات القضائية، بل أيضاً قوة المجتمع وقدرته على الوقوف إلى جانب أبنائه في أوقات الشدة.

لكن لا يجوز أن نكتفي بالإعجاب بصمود الناس. فالصمود ليس بديلاً عن العدالة. لا يمكن أن يصبح التهجير أمراً اعتيادياً، ولا أن تتحول مشاهد هدم البيوت إلى جزء من الحياة اليومية التي نتعايش معها.

ما يجري في تل عراد والبقيعة والعراقيب وام الحيران وغيرها من القرى ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل سياسة متواصلة تهدف إلى تقليص حيز وجود الإنسان العربي في النقب، وحشر السكان في أضيق مساحة ممكنة من الأرض، وتحويلهم الى عمال في بناء المستوطنات. ورغم اختلاف الأدوات بين قرية وأخرى، فإن النتيجة واحدة: مزيد من الهدم، ومزيد من التهجير، ومزيد من المعاناة الإنسانية.

 

في البقيعة، استمعنا إلى عائلة أبو جويعد التي نُقلت من أرضها في خمسينيات القرن الماضي بقرار من السلطات، وتجد نفسها اليوم أمام محاولة تهجير جديدة. عائلة تعتاش من بناء قرية سياحية يهودية مجاورة، وتستعد لهدم منازلها التي لا تهدد أحد.

وفي العراقيب، شاهدنا الشيخ صياح الطوري وأبناء عائلته يواصلون معركة الصمود بعد عشرات عمليات الهدم. هذه القصص المختلفة تلتقي عند حقيقة واحدة: أن المشكلة ليست نقصاً في الأرض، بل غياب الإرادة السياسية للاعتراف بحق العرب في التطور والعيش الكريم على أرضهم.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت أوامر الهدم إلى أداة سياسية تستخدم ضد المجتمع العربي، خصوصاً في النقب. وبدلاً من الاستثمار في التخطيط، وتوسيع مسطحات البناء، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها، اختارت الحكومات المتعاقبة طريق الملاحقة والعقاب.

لهذا السبب، فإن المعركة لا يمكن أن تبقى محصورة في أروقة المحاكم، رغم أهمية العمل القانوني. ولا يمكن أن تقتصر على الخطابات في الكنيست أو البيانات الإعلامية. المطلوب هو بناء حالة شعبية واسعة تضع قضية النقب في مركز الاهتمام العام، وتنقل الاحتجاج إلى أبواب المؤسسات الحكومية والمسؤولين عن هذه السياسات.

إن الدفاع عن حق أهل النقب في الأرض والمسكن ليس قضية محلية تخص عشرات القرى فقط، بل هو معركة على قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان. فالمجتمع الذي يقبل بهدم بيت اليوم، سيجد نفسه غداً أمام سياسات تمس حقوقاً أخرى لا تقل أهمية.

 

خرجت من النقب وأنا أكثر اقتناعاً بأن أهله يملكون ما يكفي من الإرادة للصمود، لكنهم يجب أن لا يُتركوا وحدهم في هذه المواجهة. المطلوب وقف فوري لعمليات الهدم والتهجير، والاعتراف بالقرى العربية غير المعترف بها، ووضع حد لسياسة التعامل مع المواطنين العرب كأنهم مشكلة يجب التخلص منها، لا أصحاب حق يستحقون الحياة بكرامة وأمان على أرضهم.

 

ففي النهاية، قد تستطيع الجرافات هدم البيوت، لكنها لن تستطيع هدم إرادة الناس في البقاء.

 

الكاتب جعفر فرح مدير مركز مساواة، وانتخب مؤخرا كمرشح الجبهة لانتخابات الكنيست القادمة.

 

اشترك في القائمة البريدية
ادخل بياناتك لتبقى على اطلاع على اخر المستجدات
ارسل