العنف والجريمة في المجتمع العربي: دعوات إلى استراتيجية شاملة تجمع بين مسؤولية الدولة والعمل المجتمعي - مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في اسرائيل

العنف والجريمة في المجتمع العربي: دعوات إلى استراتيجية شاملة تجمع بين مسؤولية الدولة والعمل المجتمعي

شارك مع أصدقائك

ضمن أعمال مؤتمر **"المكانة القانونية للمجتمع العربي"** الذي عقده مركز مساواة في الناصرة يوم الجمعة 19 حزيران/يونيو 2026، ناقش المحور الثالث، بعنوان **"العنف والجريمة في المجتمع العربي"**، تصاعد الجريمة المنظمة، ومسؤولية الدولة، ودور المؤسسات المجتمعية والسلطات المحلية في مواجهة الظاهرة، إلى جانب التحديات القانونية المرتبطة بسياسات مكافحة الجريمة.

وأدارت الجلسة المحامية **نورين ناشف**، بمشاركة الدكتور **وليد حداد**، الخبير في قضايا الجريمة والإدمان، والسيد **مجدي أبو الحوف**، عضو هيئة السلم الأهلي القطرية، والمحامية **سيرين أبو لبن**، عضوة بلدية اللد، والإعلامية **رماح مفيد**، والمحامية **نريمان شحادة زعبي**.

وافتتحت المحامية نورين ناشف الجلسة بالتأكيد أن العنف والجريمة تحولا إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمع العربي، ولم يعودا مجرد أحداث متفرقة أو أرقام في الإحصاءات، وإنما واقعاً يومياً يهدد أمن المواطنين واستقرار العائلات ومستقبل الأجيال الشابة.

وأكدت أن الظاهرة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مسؤولية فردية، وإنما هي نتاج عوامل سياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية متراكمة، تشمل انتشار السلاح غير المرخص، وتقاعس الدولة في مواجهة منظمات الجريمة، والتمييز في توزيع الموارد وفرص التنمية، مشددة على أن مسؤولية الدولة في حماية المواطنين وتطبيق القانون بصورة متساوية تبقى مسؤولية أساسية، إلى جانب ضرورة تفعيل الأدوات المجتمعية والقانونية وتعزيز دور السلطات المحلية والمؤسسات الأهلية في بناء بيئة رافضة للعنف.

### د. وليد حداد: نحن أمام جريمة منظمة وليست عنفاً عادياً

استهل الدكتور وليد حداد مداخلته بالتأكيد أن ما يشهده المجتمع العربي لم يعد مجرد ظاهرة عنف، وإنما جريمة منظمة ذات أبعاد خطيرة وغير مسبوقة، مشيراً إلى أن مستوى القتل واستهداف الأبرياء تجاوز، في بعض الجوانب، ما عرفته منظمات الإجرام العالمية.

وأوضح أن مؤشرات الجريمة شهدت تصاعداً مستمراً منذ عام 2016، حيث ارتفع عدد الضحايا من نحو خمسين قتيلاً سنوياً إلى ما يقارب 250 و260 ضحية في السنوات الأخيرة، مع الاقتراب من حاجز 300 قتيل سنوياً، دون أي انخفاض في المنحنى. وقال إن هذا التصاعد المتواصل يدل، وفق علم الإجرام، على وجود أزمة بنيوية عميقة، وليس ظاهرة عابرة.

وأشار إلى أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على المرحلة الحالية، موضحاً أن الجريمة لم تبدأ مع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وإنما تراكمت في عهد حكومات ووزراء سابقين، نتيجة غياب خطة جدية لمعالجة جذور الظاهرة. وأضاف أن عمله لأكثر من سبعة عشر عاماً في وزارة الأمن الداخلي ومشاركته في اللجان الحكومية أقنعه في نهاية المطاف بأن الدولة لم تقدم حلولاً حقيقية، الأمر الذي دفعه إلى الاستقالة من منصبه والانسحاب من تلك اللجان.

وأكد حداد أن أخطر التحولات تمثلت في انتقال منظمات الجريمة المنظمة إلى المجتمع العربي، في وقت نجحت فيه الدولة في الحد من نشاطها داخل المجتمع اليهودي، معتبراً أن الأدوات التقليدية، مثل الصلح العائلي والمبادرات الاجتماعية التقليدية، لم تعد كافية لمواجهة هذه الظاهرة، لأنها تطورت إلى شبكات منظمة تدير أنشطة اقتصادية واسعة، تشمل الخاوة، والقروض، والجباية، وتجارة السيارات، وغيرها.

وربط حداد بين توسع الجريمة وبين انتشار ثقافة الثراء السريع بين الشباب، قائلاً إن انهيار البنية الاجتماعية التقليدية جعل منظمات الإجرام تستقطب أعداداً متزايدة من الشبان الباحثين عن الربح السريع. واستشهد بتجربته في مراكز علاج الإدمان، حيث يلتقي بشباب يرون أن العمل بأجر عادي لم يعد خياراً، مقابل الأرباح التي توفرها منظمات الجريمة.

وأكد أن التربية تمثل المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة، مشيراً إلى تجربته في المدارس، حيث لاحظ تغيراً في طموحات الطلاب، إذ بات كثير منهم يبحث عن المال السريع بدلاً من المهن التقليدية. وقال إن "الأمن والأمان هما القضية الأولى في المجتمع العربي اليوم"، داعياً إلى بلورة برنامج عربي موحد لمواجهة الجريمة، يضع التربية والتثقيف وتحميل الدولة مسؤولياتها في صدارة الأولويات، ويكون جزءاً من البرنامج السياسي للقيادات العربية.

كما شدد على ضرورة الوصول إلى الشباب الموجودين داخل السجون أو القريبين من دوائر الجريمة، وعدم الاكتفاء بالنقاشات داخل القاعات والمؤتمرات، مؤكداً أن الحلول ستكون طويلة الأمد ولا يمكن أن تتحقق عبر إجراءات سريعة أو شعارات إعلامية.

### مجدي أبو الحوف: الوقاية المجتمعية لا تقل أهمية عن تطبيق القانون

بدوره، أكد عضو هيئة السلم الأهلي **مجدي أبو الحوف** أن مواجهة الجريمة تتطلب عملاً ميدانياً متواصلاً، مستعرضاً تجربة لجان إفشاء السلام التي عملت لسنوات داخل المدارس والبلدات العربية.

وأشار إلى أن التجربة الميدانية كشفت حجم التحولات في قيم الشباب، مستشهداً بطالب قال خلال إحدى الورشات إنه يستطيع جمع مليون شيكل من شخص واحد بدلاً من دراسة الطب، وطالبة اعتبرت أن الزواج من شخص ثري يغنيها عن التعليم، معتبراً أن هذه الأمثلة تعكس أزمة قيم تتطلب استثماراً طويل الأمد في التربية.

وأكد أبو الحوف أن العمل الوقائي داخل المدارس لا يقتصر على التوعية، وإنما يسمح أيضاً برصد الطلاب المعرضين للخطر والتدخل مبكراً بالتعاون مع الإدارات المدرسية والمستشارين التربويين، مستعرضاً تجربة جسر الزرقاء، حيث ساهمت البرامج التربوية في إحداث تغيير إيجابي رغم الصورة السلبية التي تحيط بالبلدة.

وتطرق إلى الحراك الشعبي ضد الجريمة، مشيراً إلى تنظيم إغلاقات شوارع ومظاهرات في عدة بلدات عربية للضغط على الشرطة، لكنه أكد أن التجربة أثبتت أن تعامل الشرطة مع الجريمة في المجتمع العربي يختلف بصورة واضحة عن تعاملها مع أحداث مشابهة في المجتمع اليهودي، مستشهداً بتأخر وصول قوات الشرطة إلى مواقع جرائم في المجتمع العربي مقارنة بسرعة استجابتها في القضايا الأمنية.

وقال إن هذا الواقع يفرض على القانونيين والمؤسسات الحقوقية توثيق حالات التمييز والإهمال، وتحويلها إلى مسارات قانونية وقضائية، مضيفاً أن "الناس باتوا يشعرون بأن مؤسسات الدولة شريكة في استمرار هذه الظاهرة من خلال تقاعسها عن أداء واجبها".

كما تطرق إلى مخاطر السوق السوداء، موضحاً أنها دمرت عائلات كثيرة، وأدت إلى فقدان منازل وأراضٍ بسبب تضخم الديون، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الوعي المجتمعي بمخاطرها بدأ يتزايد، بفضل حملات التوعية التي نُظمت في السنوات الأخيرة، داعياً إلى استئناف هذه الحملات وتوفير التمويل اللازم لها.

وأكد أن الإضرابات والمظاهرات المستمرة أثبتت فعاليتها في ردع بعض مظاهر الجريمة ودفع الشرطة إلى التحرك، داعياً إلى استمرار الضغط الشعبي وعدم الاكتفاء بردود الفعل بعد كل جريمة.

كما شدد على أهمية لجان الإصلاح والتحكيم المجتمعية، معتبراً أنها ساهمت في حل نزاعات مدنية ومنعت تدخل منظمات الإجرام فيها، داعياً إلى دعم هذه اللجان مالياً ومؤسساتياً، إلى جانب إنشاء أطر مدنية قادرة على التدخل في الحالات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة، بما يمنع وقوع الشباب ضحية الابتزاز أو السوق السوداء.

وفي ختام مداخلته، أكد أن الحل يبدأ بالوقاية المجتمعية، لكنه يتطلب أيضاً قيادة مجتمعية فاعلة، وحملات إعلامية مستمرة، وتمويلاً ثابتاً للمبادرات الميدانية، إلى جانب استثمار أكبر في العمل التطوعي، معتبراً أن مكافحة الجريمة يجب أن تتحول إلى مشروع وطني دائم، لا إلى رد فعل موسمي بعد كل جريمة.

 وتحدثت المحامية **سيرين أبو لبن**، عضوة بلدية اللد وشقيقة المرحوم معتز أبو لبن، من موقع التجربة الشخصية، مؤكدة أن الجريمة تتحول بالنسبة للعائلات الثكلى من خبر في وسائل الإعلام إلى جرح يومي يغيّر حياة الأسرة بأكملها. وقالت إن عائلتها فقدت خلال فترة قصيرة شقيقها معتز وابن شقيقتها محمد عبد الهادي، الأمر الذي جعلها تعيش الألم الذي تعيشه عشرات العائلات العربية بصورة متكررة.

وأشارت إلى تجربتها في **لجنة إفشاء السلام النسائية في اللد**، حيث نظمت اللجنة فعالية جماهيرية لنبذ العنف بمشاركة واسعة من أهالي المدينة، موضحة أن النشاط نُفذ بجهود تطوعية ومن تبرعات الأهالي، لكنه واجه حملات تحريض من البلدية ووسائل إعلام عبرية حاولت تصويره بصورة سياسية بدلاً من التعامل معه كمبادرة مجتمعية لمواجهة العنف.

واعتبرت أن هذه الممارسات تساهم في تشتيت جهود المجتمع العربي وإضعاف المبادرات المدنية، مضيفة أن المجتمع يعيش حالة من "الترويض" والخوف تمنع كثيرين من تسمية القتلة أو مواجهتهم بصورة مباشرة.

وقالت: **"المجتمع هو الذي قتل إخوتي، وليس فقط العائلة التي ارتكبت الجريمة، لأن الصمت والخوف يسمحان باستمرار القتل."** وأضافت أن أكثر ما تحتاجه العائلات الثكلى هو الاعتراف بألمها وإشراكها في رسم الحلول، مؤكدة أن من عاش تجربة فقدان أحد أفراد عائلته هو الأقدر على فهم حجم الكارثة واقتراح الأدوات المناسبة لمواجهتها.

كما شددت على ضرورة كسر حالة الصمت المجتمعي، والعمل على نبذ القتلة وعزلهم اجتماعياً، معتبرة أن المحاسبة لا يجب أن تبقى قانونية فقط، بل ينبغي أن تكون هناك أيضاً مسؤولية اجتماعية واضحة ترفض تبرير الجريمة أو التعايش معها.

وفي ختام مداخلتها، دعت إلى إشراك عائلات الضحايا في كل إطار يبحث في مواجهة العنف، مؤكدة أن الحلول لن تكون ناجعة إذا بقيت هذه العائلات خارج دوائر صنع القرار والنقاش.

وتناولت الإعلامية **رماح مفيد** دور الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في ظل تصاعد العنف، مركزة على واقع المجتمع البدوي في النقب، حيث يلتقي العنف مع التهميش وغياب الخدمات الحكومية.

وأشارت إلى أن منصات التواصل أصبحت في كثير من الأحيان أداة تُستخدم لتشويه صورة المجتمع العربي، وتبرير السياسات الحكومية ضده، بينما يعيش المواطنون العرب، وخاصة في النقب، حالة من الخوف تمنعهم من التعبير بحرية عن آرائهم، في ظل الاعتقالات والملاحقات التي طالت مواطنين ومعلمين وطلاباً بسبب منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.

وأكدت أن هذا الواقع يفرض تحدياً إضافياً يتمثل في حماية الفضاء الرقمي من التحريض، وتعزيز المبادرات الإعلامية التي تنقل الرواية الحقيقية للمجتمع العربي وتواجه حملات التشويه.

أما المحامية **نريمان شحادة زعبي**، فقد قدمت قراءة قانونية نقدية للتشريعات التي سُنت خلال السنوات الأخيرة تحت عنوان مكافحة الجريمة، محذرة من نقل أدوات أمنية استثنائية إلى المجال المدني، وما يحمله ذلك من مخاطر على الحقوق والحريات.

وأكدت أن مداخلتها تنطلق من فرضيتين أساسيتين: الأولى أن الجريمة يجب أن تُعالج باعتبارها ظاهرة مدنية، وأن يبقى التعامل مع مرتكبيها ضمن إطار القانون الجنائي العادي، والثانية أن أجهزة إنفاذ القانون تمتلك أصلاً الأدوات الكافية لمكافحة الجريمة، لكنها لم تستخدمها بالفاعلية نفسها التي استخدمتها في المجتمع اليهودي.

واستعرضت سلسلة من القوانين والتعديلات التي رأت أنها وسعت صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الرقابة القضائية، من بينها تشديد الحد الأدنى للعقوبات في قضايا السلاح غير المرخص، وقانون التفتيش دون أمر قضائي، وقانون الأوامر الإدارية، إضافة إلى مقترحات استخدام الاعتقال الإداري وأدوات جهاز الأمن العام في مكافحة الجريمة.

وأوضحت أن الأبحاث الجنائية تشير إلى أن تشديد العقوبات وحده لا يؤدي إلى انخفاض الجريمة، وأن الردع الحقيقي يتحقق من خلال رفع احتمالات كشف الجريمة وتطبيق القانون، وليس عبر زيادة سنوات السجن فقط.

كما أشارت إلى أن بعض مشاريع القوانين، وعلى رأسها مشروع تصنيف منظمات إجرامية كمنظمات إرهابية، تحمل مخاطر كبيرة على المجتمع العربي، لأنها توسع استخدام الأدوات الأمنية بحق المواطنين العرب، وتكرس، بحسب تعبيرها، "منظومتين قانونيتين مختلفتين؛ واحدة للمواطنين العرب وأخرى للمواطنين اليهود".

وأكدت أن التاريخ القانوني للعلاقة بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين في الداخل يكشف استخداماً متواصلاً للأدوات الأمنية منذ فترة الحكم العسكري وحتى اليوم، محذرة من أن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلى القضاء على الجريمة، وإنما إلى توسيع صلاحيات الدولة وتعميق السياسات التمييزية بحق المجتمع العربي.

وفي ختام الجلسة، طلبت المحامية **نورين ناشف** من المشاركين تقديم توصيات عملية يمكن البناء عليها.

وأكدت المحامية **سيرين أبو لبن** أن مواجهة الجريمة تتطلب أولاً إنهاء التمييز بين الضحايا، وأن يكون لكل ضحية الحق ذاته في التضامن والمتابعة، داعية إلى توحيد المجتمع حول رفض القتل، وإشراك عائلات الضحايا في صياغة الحلول، والعمل على نبذ القتلة وعزلهم مجتمعياً، لأن "كل إنسان يُقتل يجب أن يعنينا جميعاً".

وخلصت الجلسة إلى أن مكافحة الجريمة في المجتمع العربي لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، وإنما تتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين تحميل الدولة مسؤوليتها الكاملة في فرض القانون وملاحقة منظمات الإجرام، وتعزيز التربية والوقاية والعمل المجتمعي، ودعم المبادرات المدنية، وحماية الحقوق والحريات، مع رفض استخدام مكافحة الجريمة ذريعة لتوسيع أدوات الرقابة الأمنية أو تقليص الحقوق المدنية للمواطنين العرب.

اشترك في القائمة البريدية
ادخل بياناتك لتبقى على اطلاع على اخر المستجدات
ارسل