اختُتم مؤتمر "المكانة القانونية للمجتمع العربي"، الذي عقده مركز مساواة في الناصرة يوم الجمعة 19 حزيران/يونيو 2026، بمحور تناول العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات، افتتح بعرض خاص لنتائج استطلاعات الرأي التي تناولت توجهات المجتمع العربي خلال العامين الأخيرين، قدّمه **يوسف مقلدة**، مدير معهد **ستات نت** للاستطلاعات.
واستعرض مقلدة قراءة تحليلية استندت إلى نحو عشرين استطلاعًا أجرتها جامعات ومعاهد أبحاث مختلفة، من بينها جامعة رايخمان، وجامعة تل أبيب، وجامعة حيفا، وجامعة ميريلاند، ومؤسسات بحثية أخرى، بهدف تتبع التحولات في الرأي العام العربي في قضايا المشاركة السياسية، والهوية، والعمل الحزبي، وأولويات المجتمع.
واستهل مقلدة مداخلته بالتأكيد أن المقارنة بين الاستطلاعات ليست سهلة، بسبب اختلاف الجهات التي أجرتها واختلاف صياغة الأسئلة وترتيبها، مشيرًا إلى أن طريقة طرح السؤال تؤثر بصورة مباشرة في الإجابات والنتائج. ودعا إلى تطوير مؤشر استطلاعات عربي مستقل يعتمد أسئلة تنطلق من واقع المجتمع العربي وتجربته، بدل الاعتماد على استطلاعات تُصاغ من منظور خارجي.
وأوضح أن العرض ركز على خمسة محاور رئيسية، هي: المشاركة السياسية ونسب التصويت، والشباب والنساء، والموقف من المشاركة في الائتلاف الحكومي، وتحولات الهوية، وأولويات القضايا التي تشغل المجتمع العربي.
### ارتفاع نسبة التصويت مرتبط بوحدة الأحزاب العربية
تناول مقلدة توقعات المشاركة في الانتخابات المقبلة، مشيرًا إلى أن النماذج التي يعتمدها معهد "ستات نت" تظهر ارتباطًا مباشرًا بين شكل التمثيل السياسي العربي ونسبة التصويت.
وأوضح أن وجود أربع قوائم عربية قد يخفض نسبة التصويت إلى نحو 49%، وهي نسبة قد لا تتيح لأي قائمة عربية تجاوز نسبة الحسم، بينما ترتفع النسبة إلى نحو 54% في حال خوض الانتخابات بثلاث قوائم، وإلى 56% إذا تشكل تحالفان. أما في حال إعادة تشكيل القائمة المشتركة، فتشير النماذج إلى إمكانية ارتفاع نسبة التصويت إلى نحو 66%، فيما أظهرت استطلاعات أخرى لم تُنشر بعد احتمال وصولها إلى نحو 72%.
وأكد أن هذه المعطيات تعكس أهمية الوحدة السياسية في رفع نسبة المشاركة، مشيرًا إلى أن معظم المؤشرات التي جُمعت خلال الفترة الممتدة بين منتصف عام 2025 ومنتصف عام 2026 تسير في الاتجاه نفسه.
### الشباب والنساء... الفجوة الأكبر
وتوقف مقلدة عند نسب المشاركة بين فئة الشباب، واصفًا إياها بأنها "التحدي الأكبر" أمام الأحزاب العربية.
وأشار إلى أن عدد أصحاب حق الاقتراع من الفئة العمرية بين 18 و24 عامًا يتراوح بين 250 و300 ألف ناخب، بينما تشير النماذج إلى أن واحدًا فقط من كل أربعة يتجه إلى صناديق الاقتراع.
وأضاف أن الوصول إلى هذه الفئة لم يعد ممكنًا بالوسائل التقليدية، داعيًا الأحزاب العربية إلى تطوير أدوات جديدة للتواصل مع الشباب، خاصة عبر المنصات الرقمية، وبناء خطاب يتلاءم مع اهتماماتهم وتطلعاتهم.
كما عرض معطيات تتعلق بمشاركة النساء، موضحًا أن نسبة التصويت بين النساء ارتفعت بصورة طفيفة من نحو 45% إلى 46%، لكنه اعتبر أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضعف حضور النساء في مواقع صنع القرار داخل الأحزاب، مؤكداً أن رفع نسبة التصويت يرتبط أيضًا بتوسيع مشاركة النساء في القيادة السياسية.
### تأييد واسع للمشاركة في الائتلاف
وعرض مقلدة نتائج استطلاعات تناولت موقف المجتمع العربي من مشاركة الأحزاب العربية في الائتلاف الحكومي، موضحًا أن نحو نصف المستطلعين أيدوا انضمام حزب عربي إلى أي حكومة تُشكل بعد الانتخابات، حيث تراوحت النسبة بين 45% و49% في عدة استطلاعات متتالية.
كما أظهرت النتائج ارتفاع التأييد للمشاركة في حكومة من الوسط واليسار إلى نحو 33%، فيما بقيت نسبة مؤيدي دعم الحكومة من الخارج عند نحو 11%، في حين لم تتجاوز نسبة الرافضين للمشاركة في أي حكومة نحو 9%.
وأكد أن هذه النتائج تعكس تحولًا في المزاج العام، حتى وإن كانت تثير نقاشًا داخل المجتمع العربي والأحزاب السياسية.
### الشراكة العربية اليهودية... فجوة بين المجتمعين
وتطرق العرض إلى المواقف من الشراكة السياسية العربية اليهودية، حيث أظهرت الاستطلاعات أن نحو 65% من المواطنين العرب يؤمنون بإمكانية قيام شراكة سياسية عربية يهودية.
في المقابل، أظهرت النتائج أن العرب لا يعتقدون بوجود استعداد مماثل لدى المجتمع اليهودي، إذ رأى 5% فقط أن هناك دعماً حقيقياً لهذه الشراكة.
كما عرض مقلدة نتائج استطلاع أجري بين الجمهور اليهودي، بينت أن 87% من مصوتي أحزاب الائتلاف يرفضون انضمام حزب عربي إلى الحكومة، بينما بلغت نسبة الرافضين بين جمهور المعارضة نحو 68%. وحتى عند السؤال عن قائمة عربية يهودية مشتركة، بقيت مستويات التأييد منخفضة، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين مواقف المجتمعين تجاه فكرة الشراكة السياسية.
### الأمن الشخصي والعنف يتصدران أولويات الناخبين
وأشار مقلدة إلى أن الأمن الشخصي ومكافحة الجريمة المنظمة يشكلان الدافع الأول للمشاركة في الانتخابات، إذ أظهرت معدلات عدة استطلاعات أن 26% من المواطنين يعتبرون تعزيز الأمن الشخصي السبب الأبرز للتصويت.
وجاء إسقاط الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير في المرتبة الثانية بنسبة 25%، تلاه تعزيز تأثير الأحزاب العربية في صنع القرار بنسبة 16%، ثم إعادة تشكيل القائمة المشتركة بنسبة 15%.
وأوضح أن الاستطلاعات أظهرت أيضًا ارتفاعًا كبيرًا في التأييد لإعادة تشكيل القائمة المشتركة، حيث ارتفعت نسبة المؤيدين لها من نحو 81% قبل عام إلى نحو 89%، بينما قال 91% من المستطلعين إنهم سيصوتون لها في حال إعادة تشكيلها.
### الحرب على غزة غيّرت ترتيب الأولويات
وأكد مقلدة أن طريقة صياغة الأسئلة تؤثر بصورة مباشرة على ترتيب أولويات الجمهور.
وأوضح أنه عندما لا يُدرج خيار وقف الحرب على غزة ضمن الإجابات، تتصدر مكافحة العنف والجريمة قائمة الأولويات، بنسبة تراوحت بين 66% و74% في مختلف الاستطلاعات.
لكن عند إضافة خيار وقف الحرب أو وقف إطلاق النار، يصبح هذا الموضوع الأولوية الأولى لدى المجتمع العربي، متقدمًا على ملف الجريمة، وهو ما اعتبره مثالًا واضحًا على أثر صياغة السؤال في نتائج الاستطلاع.
### تحولات في الهوية
وتناول العرض نتائج عدد من الاستطلاعات التي بحثت في الهوية والانتماء، مشيرًا إلى وجود فروقات كبيرة في النتائج تبعًا لصياغة السؤال.
وأوضح أن أحد استطلاعات جامعة تل أبيب أظهر حصول خيار "المواطنة الإسرائيلية" على 28%، مقابل 33% للهوية العربية، و25% للهوية الدينية، و14% للهوية الفلسطينية.
في المقابل، أظهر استطلاع صاغه باحث عربي من جامعة حيفا نتائج مختلفة، إذ تراجعت الهوية الإسرائيلية إلى ما بين 5% و7%، بينما ارتفعت الهوية الفلسطينية خلال عامين من 7% إلى نحو 20%.
واعتبر مقلدة أن هذه الفروقات تؤكد أهمية صياغة الأسئلة من منظور المجتمع العربي نفسه، داعيًا إلى تطوير أدوات بحثية عربية تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي بصورة أدق.
وفي ختام عرضه، شدد يوسف مقلدة على الحاجة إلى إنشاء مؤشر عربي دائم للرأي العام، يخدم الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والباحثين، ويساعد في فهم التحولات داخل المجتمع العربي بصورة أكثر دقة، مؤكداً أن بناء أدوات بحث مستقلة، وصياغة أسئلة تنطلق من التجربة العربية الفلسطينية، يشكلان خطوة أساسية لفهم اتجاهات الرأي العام وتطوير السياسات والاستراتيجيات المستقبلية.






