تحلّ الذكرى السادسة والعشرون لهبّة أكتوبر (هبّة القدس والأقصى)، فيما لا تزال الأسئلة التي فرضها مقتل ثلاثة عشر شابًا فلسطينيًا برصاص الشرطة في أكتوبر 2000 حاضرة في علاقة المجتمع العربي بالمؤسسة الإسرائيلية: كيف تتعامل أجهزة إنفاذ القانون مع المواطنين العرب؟ من يحمي حياتهم وحقوقهم؟ ومن يحاسب أفراد الشرطة حين يستخدمون القوة والسلاح بصورة غير مشروعة؟
بعد ستة وعشرين عامًا، لا تزال عائلات الشهداء تحمل فقدان أبنائها دون أن تتحقق المحاسبة التي طالبت بها. فقد أُغلقت ملفات التحقيق دون تقديم المسؤولين عن قتل الشهداء إلى المحاكمة، وبقي غياب المحاسبة جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع العربي وعنصرًا أساسيًا في أزمة الثقة المتواصلة مع الشرطة ومؤسسات إنفاذ القانون.
ويرى مركز مساواة أن إحياء ذكرى هبّة أكتوبر لا يمكن أن يقتصر على استذكار أحداث الماضي، بل يفرض فحص ما تغيّر منذ ذلك الحين، وما إذا كانت المؤسسة قد استخلصت بالفعل الدروس المطلوبة. ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ظل تجدد قضايا إطلاق النار على مواطنين عرب، إلى جانب تفاقم الجريمة المنظمة وانتشار السلاح والابتزاز والتهديد، وشعور متزايد لدى المواطنين بانعدام الأمن الشخصي.
ومن خلال متابعة مركز مساواة لقضايا العنف الشرطوي ومرافقة العائلات، تتكرر مطالب تتعلق بأبسط شروط التحقيق الجاد والمستقل: حفظ التسجيلات وجمع الأدلة، وسماع الشهادات، وفحص ظروف استخدام القوة ومدى ضرورته، وعدم الاكتفاء برواية أفراد الشرطة الضالعين في الحادثة، وضمان إجراء تحقيق فعّال عندما يؤدي استخدام القوة إلى إصابة أو وفاة.
وقد أعاد مقتل علاء محاميد من أم الفحم برصاص شرطي في 17 أيلول الماضي هذه الأسئلة إلى الواجهة. وطالب مركز مساواة، بعد اطلاعه على التوثيق المصوّر للحادثة، بإجراء تحقيق جاد في ظروف إطلاق النار، وبفحص التناقضات والتساؤلات التي يثيرها التوثيق بشأن رواية الشرطة ومدى ضرورة استخدام القوة القاتلة، وباتخاذ الإجراءات اللازمة بحق الشرطي الضالع إلى حين استكمال التحقيق.
تختلف الظروف والحيثيات من قضية إلى أخرى، ولكل واقعة أدلتها ومسؤولياتها. لكن اختلاف الظروف لا يعفي المؤسسة من واجب فحص ما إذا كان استخدام السلاح ضروريًا ومتناسبًا، وما إذا كان بالإمكان منع فقدان الحياة. ويجب أن يبقى المعيار في جميع الحالات حماية الحياة، واستخدام القوة فقط بالقدر الضروري، ومحاسبة من يتجاوز صلاحياته.
فالاشتباه بارتكاب مخالفة لا يسقط حقوق الإنسان، ومحاولة التوقيف لا تمنح تفويضًا مفتوحًا لاستخدام السلاح. كما يتطلب التعامل مع الأشخاص الذين يمرون بأزمات نفسية أو حالات ضائقة تدريبًا مهنيًا يهدف إلى احتواء الخطر وحماية الحياة، وفحصًا للبدائل المتاحة قبل اللجوء إلى القوة القاتلة.
وتكشف قضية مرشد عبد الحي من الطيرة جانبًا آخر من هذه الإشكاليات. فالعائلة، التي يرافقها مركز مساواة، تواصل المطالبة بفحص مسؤولية الشرطة عن استخدام القوة وإطلاق النار وتأخير تقديم العلاج، بعد إغلاق ملف التحقيق. وتستند مطالبها إلى شهادات ووثائق طبية ترى أنها تثير أسئلة لم تحصل على إجابات كافية عنها. وتوضح هذه التجربة حجم العبء الذي تتحمله العائلات عندما تجد نفسها مضطرة إلى ملاحقة الأدلة والإجراءات لسنوات من أجل الحصول على إجابات بشأن ما حدث لأبنائها.
وفي الوقت نفسه، يعيش المجتمع العربي أزمة غير مسبوقة من الجريمة المنظمة والقتل والتهديد والابتزاز وانتشار السلاح. ويحتاج المواطن الذي يتوجه إلى الشرطة إلى حماية فعلية تتجاوز تسجيل الشكوى، وتضمن ألا يتحول تقديم الشكوى نفسه إلى مصدر إضافي للخطر، وأن يستطيع المهدَّد العودة إلى بيته وعمله وإرسال أبنائه إلى المدرسة دون الخوف ممن اشتكى عليهم.
وهنا تتجلى إحدى أهم أزمات العلاقة بين المجتمع العربي والشرطة. فالمجتمع العربي يطالب الشرطة بالقيام بواجبها في مكافحة الجريمة وحماية المواطنين، ويطالب في الوقت نفسه بوقف الاعتداء على حقوقهم ومحاسبة من يتجاوز صلاحياته. وهذان المطلبان ليسا متناقضين، بل هما متلازمان: حماية المواطنين تستوجب شرطة فعّالة تعمل ضمن القانون، وتخضع للرقابة والمحاسبة، وتتعامل مع المواطنين العرب باعتبارهم أصحاب حقوق متساوية.
كما أن مواجهة الجريمة المنظمة لا يمكن أن تقوم على توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى موارد وخطط وتنفيذ، وحماية للشهود والمهدَّدين، وملاحقة شبكات السلاح والابتزاز والأموال المرتبطة بالجريمة. وفي هذا السياق، عارض مركز مساواة تحويل مئات ملايين الشواقل من ميزانيات تطوير المجتمع العربي إلى الأجهزة الأمنية، وشارك في الإجراءات القانونية ضد هذه الخطوات. فتمويل مكافحة الجريمة على حساب التعليم والتشغيل والتخطيط والتنمية لا يعالج جذور المشكلة، بل يحمّل المجتمع العربي كلفة إخفاق الدولة في حمايته.
وتتجاوز أزمة الثقة العلاقة المباشرة مع الشرطة، لتشمل التضييق على حرية التعبير والاحتجاج، والتحريض على المواطنين العرب في أماكن العمل والحياة العامة، والمساس بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحقوق التخطيط والسكن. وقد تعمقت هذه التوجهات خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ حرب غزة، مع تصاعد التحقيقات والاعتقالات والإجراءات بحق مواطنين وعاملين وطلاب بسبب التعبير عن مواقفهم.
إن الحق في الحياة والأمان، وحرية الرأي والاحتجاج، والحق في العمل والمسكن والمشاركة السياسية، ليست امتيازات تمنحها المؤسسة للمواطن، بل حقوق أساسية تحدد مضمون المواطنة. وحين تتراجع حمايتها، يتراجع معها شعور الناس بأن المؤسسة تتعامل معهم على قدم المساواة.
لذلك، لا يمكن معالجة أزمة الثقة من خلال حملات إعلامية أو مطالبة المجتمع العربي بتغيير موقفه من الشرطة، دون معالجة الممارسات والسياسات التي أنتجت هذه الأزمة. فالثقة لا تُطلب من المواطنين، بل تُبنى من خلال الممارسة، والتحقيق المستقل، والمحاسبة، وحماية الناس عندما يكونون مهدَّدين أو معتدى عليهم.
وفي الوقت نفسه، يرى مركز مساواة أن ذكرى أكتوبر تفرض مراجعة داخل المجتمع العربي أيضًا. فالعائلات التي تفقد أبناءها أو تواجه انتهاكات تجد في كثير من الأحيان تضامنًا واسعًا في الأيام الأولى، ثم تبقى وحدها أمام التحقيقات والمحاكم والإجراءات الطويلة. وتقع على الأحزاب والسلطات المحلية والهيئات التمثيلية ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولية تطوير آليات مستمرة لمرافقة العائلات، وتوثيق الانتهاكات، وتوفير الدعم القانوني والاجتماعي، وبناء عمل جماهيري لا ينتهي بانتهاء الوقفة الاحتجاجية أو الاهتمام الإعلامي.
ومن أخطر آثار تكرار الانتهاكات الاعتياد عليها. فأخبار القتل وإطلاق النار والتحريض والاعتداء تتكرر إلى درجة أنها قد تتحول إلى جزء من الحياة اليومية، بينما يبقى أثر كل حادثة كاملًا في حياة الضحية وعائلتها. ومواجهة هذا الاعتياد تستوجب إعادة بناء العمل الجماعي، وحفظ الذاكرة، وربطها بالمطالبة المستمرة بالحقوق والمحاسبة.
ويؤكد مركز مساواة أن استذكار هبّة أكتوبر بعد ستة وعشرين عامًا يعني أولًا حفظ حق العائلات في العدالة ومواصلة المطالبة بالمحاسبة، لكنه يعني أيضًا الدفاع عن حياة المواطنين وحقوقهم اليوم. ويتطلب ذلك تحقيقات مستقلة وفعّالة في حالات استخدام القوة، وحفظ الأدلة والتوثيق، ومحاسبة من يتجاوز صلاحياته، إلى جانب توفير حماية فعلية للمواطنين المهدَّدين من الجريمة المنظمة، وربط المرافعة القانونية بالعمل الجماهيري ومتابعة السياسات والميزانيات.
بعد ستة وعشرين عامًا، يبقى اختبار المؤسسة في قدرتها على حماية المواطن العربي وفي استعدادها لمحاسبة من يعتدي على حقوقه، بمن فيهم أفراد الشرطة والمسؤولون عن إنفاذ القانون. فلا مصالحة حقيقية مع الماضي دون محاسبة، ولا يمكن بناء الثقة دون تغيير الممارسات التي قوّضتها.






