مركز مساواة 26.10.2026
من هبّة أكتوبر 2000 إلى انتخابات 2026 : تحوّلات التصويت العربي بين المقاطعة والبحث عن التأثير السياسي
عشية انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول 2026، يدخل المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل استحقاقًا انتخابيًا مختلفًا عن سابقاته. فبعد ربع قرن من التقلّبات في نسب المشاركة والمقاطعة، وثلاث سنوات من الحرب على غزة وتراجع الحريات وتصاعد أزمة الجريمة والعنف، تكشف استطلاعات الرأي عن تحولات في أولويات الناخبين وتوقعات المشاركة، فيما يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحويل التمثيل البرلماني إلى تأثير فعلي على السياسات الحكومية؟
لم تكن العلاقة بين المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل وصندوق الاقتراع ثابتة خلال العقود الماضية. فقد شهدت تحولات عميقة بين المشاركة الواسعة والمقاطعة الاحتجاجية، وبين التصويت للأحزاب الصهيونية والالتفاف حول القوائم العربية، وبين المطالبة بالتمثيل البرلماني المستقل والبحث عن التأثير في تشكيل الحكومات وسياساتها.
وتأتي انتخابات 27 تشرين الأول 2026 بعد سلسلة من الأحداث التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في المجتمع العربي، بدءًا من هبّة أكتوبر 2000، مرورًا بتجارب الوحدة (2015) والانقسام (2019) بين الأحزاب العربية، وانتهاءً بالحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من ملاحقات على خلفية التعبير السياسي، وتوترات في أماكن العمل والجامعات، وتفاقم أزمة الأمن الشخصي والجريمة المنظمة.
وبينما تشير الاستطلاعات الأخيرة إلى احتمال ارتفاع المشاركة العربية، فإن فهم هذه التوقعات يتطلب العودة إلى التاريخ الانتخابي، وتحليل الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية، وفحص العلاقة بين عدد المقاعد العربية والقدرة الفعلية على تغيير السياسات الحكومية.
أكتوبر 2000: بداية مرحلة جديدة من العلاقة مع الانتخابات
شكّلت هبّة أكتوبر 2000، التي قُتل خلالها 13 مواطنًا عربيًا برصاص الشرطة الإسرائيلية، نقطة تحول في علاقة المجتمع العربي بمؤسسات الدولة، وخصوصًا الشرطة والحكومة والأجهزة الأمنية. فقد أثّرت الأحداث، وما أعقبها من غياب المحاسبة الجنائية للمسؤولين عن القتل، في الثقة بالمؤسسات وفي الموقف من المشاركة السياسية. أزمة الثقة تعمقت بالأساس مع أحزاب "اليسار الصهيوني" التي قادها ايهود براك.
في انتخابات الكنيست عام 1999، بلغت نسبة التصويت لدى الناخبين العرب نحو 75.2%. لكن انتخابات رئاسة الحكومة المباشرة عام 2001 شهدت مقاطعة عربية واسعة وصلت الى 82% ، قبل أن تنخفض المشاركة في انتخابات الكنيست عام 2003 إلى نحو 62%..
واستمر التراجع خلال السنوات اللاحقة، إذ بلغت المشاركة 56.3% عام 2006، و53.4% عام 2009، ثم ارتفعت قليلًا إلى 56.5% عام 2013.
ولا يمكن اعتبار جميع الممتنعين عن التصويت مقاطعين لأسباب سياسية. فالمقاطعة المنظمة تعبّر عن موقف احتجاجي معلن، بينما يشمل عدم التصويت أيضًا فقدان الثقة بالأحزاب، والشعور بعدم جدوى المشاركة، واللامبالاة السياسية، والعوائق العملية. لكن الانخفاض الطويل في المشاركة بعد أكتوبر 2000 يشير إلى أزمة أعمق في العلاقة بين المجتمع العربي والمؤسسة السياسية الإسرائيلية.
ربع قرن من المشاركة والامتناع عن التصويت
في انتخابات 1999، بلغت المشاركة العربية 75.2%، مقابل 24.8% لعدم المشاركة. وفي انتخابات 2003، بلغت المشاركة 62.0%، مقابل 38.0% لعدم المشاركة. وفي انتخابات 2006، بلغت المشاركة 56.3%، مقابل 43.7% لعدم المشاركة. وفي انتخابات 2009، بلغت المشاركة 53.4%، مقابل 46.6% لعدم المشاركة.
في انتخابات 2013، بلغت المشاركة 56.5%، مقابل 43.5% لعدم المشاركة. وفي انتخابات 2015، بلغت المشاركة 63.5%، مقابل 36.5% لعدم المشاركة. وفي انتخابات نيسان 2019، بلغت المشاركة 49.2%، مقابل 50.8% لعدم المشاركة. وفي انتخابات أيلول 2019، بلغت المشاركة 59.2%، مقابل 40.8% لعدم المشاركة.
في انتخابات آذار 2020، بلغت المشاركة 64.8%، مقابل 35.2% لعدم المشاركة. وفي انتخابات آذار 2021، بلغت المشاركة 44.6%، مقابل 55.4% لعدم المشاركة. وفي انتخابات تشرين الثاني 2022، بلغت المشاركة 53.2%، مقابل 46.8% لعدم المشاركة.
تكشف هذه الأرقام عن تذبذب حاد في المشاركة. فبعد التراجع المستمر خلال العقد الأول من الألفية، شهدت انتخابات 2015 ارتفاعًا ملحوظًا مع تشكيل القائمة المشتركة. ثم تراجعت المشاركة إلى أقل من النصف في نيسان 2019، قبل أن ترتفع مجددًا مع إعادة توحيد الأحزاب العربية في أيلول 2019 وآذار 2020.
وسجلت انتخابات 2021 أدنى نسبة مشاركة في هذه السلسلة، إذ امتنع أكثر من نصف أصحاب حق الاقتراع عن التصويت. لكن انتخابات 2022 شهدت ارتفاعًا جديدًا رغم انقسام الأحزاب العربية إلى ثلاث قوائم.
وتشير هذه التحولات إلى أن سلوك الناخب العربي يتأثر بعدة عوامل متداخلة: شكل التحالفات الحزبية، والأحداث السياسية، والثقة بالقيادات، والشعور بإمكان التأثير، وطبيعة المنافسة الانتخابية.
وحدة القوائم: تأثير على المشاركة وعلى اتجاه الأصوات
شكّل تأسيس القائمة المشتركة عام 2015 محطة مهمة في التاريخ الانتخابي للمجتمع العربي. فقد جمعت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة في قائمة واحدة، بعد رفع نسبة الحسم إلى 3.25%.
وحصلت المشتركة في تلك الانتخابات على 13 مقعدًا، بالتزامن مع ارتفاع المشاركة العربية إلى 63.5%.
لكن تجربة الوحدة لم تستمر بصورة مستقرة. ففي نيسان 2019، تنافست قائمتان عربيتان، وانخفضت المشاركة إلى 49.2%. وبعد إعادة تشكيل المشتركة، ارتفعت المشاركة إلى 59.2% في أيلول 2019، ثم إلى 64.8% في آذار 2020، عندما حصلت المشتركة على 15 مقعدًا.
وفي انتخابات 2021، انفصلت الموحدة بقيادة منصور عباس عن المشتركة، وانخفضت المشاركة إلى 44.6%. أما في انتخابات 2022، فقد خاضت الموحدة والجبهة والعربية للتغيير والتجمع الانتخابات بثلاث قوائم منفصلة، وارتفعت المشاركة إلى 53.2%. ولكن "التجمع الوطني" لم يعبر نسبة الحسم.
وتُظهر أبحاث مركز مساواة أن الانقسام لم يؤثر فقط في المشاركة، بل ارتبط أيضًا بانتقال جزء من الأصوات إلى الأحزاب الصهيونية.
فبحسب تحليل نشره المركز قبيل انتخابات آذار 2021، بلغ عدد الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الصهيونية في البلدات العربية 108,709 أصوات في نيسان 2019، مقابل 85,458 في أيلول 2019، و58,386 في آذار 2020.
وفي المقابل، ارتفع مجموع الأصوات للقوائم التي تمثل الجماهير العربية من 337,108 في نيسان 2019 إلى 399,968 في أيلول 2019، ثم إلى 464,118 في آذار 2020.
ويعني ذلك أن الأصوات للأحزاب الصهيونية انخفضت بنحو 46% بين نيسان 2019 وآذار 2020، في حين ارتفع مجموع الأصوات للقوائم العربية بنحو 38%.
ومع ذلك، لا يمكن نسبة هذه التغيرات إلى وحدة القوائم وحدها؛ فقد تأثرت أيضًا بتغير الظروف السياسية والحملات الانتخابية والمشاركة العامة.
وتشير استطلاعات الرأي التي حللها مركز مساواة خلال 2025–2026 إلى استمرار العلاقة بين شكل التحالفات والمشاركة المتوقعة. ففي أحد الدراسات، بلغت المشاركة المتوقعة 66% في سيناريو القائمة المشتركة الموحدة، مقابل 58.1% في سيناريو الانقسام، بفارق 7.9 نقاط مئوية.
كما أظهر أحد الاستفتاءات انخفاض التصويت المتوقع للأحزاب الصهيونية من 22% في حالة الانقسام إلى 11.4% في حالة الوحدة.
قراءة في نتائج استطلاعات رأي نُشرت خلال العامين الأخيرين.
وتبقى هذه نتائج سيناريوهات استطلاعية، لا قياسًا مباشرًا لما سيحدث في انتخابات 2026 التي تتنافس فيها قائمتان عربيتان.
تراجع التصويت للأحزاب الصهيونية: من الأغلبية إلى أقلية الأصوات العربية
لا يقتصر التحول الانتخابي على المشاركة والامتناع عنها، بل يشمل أيضًا اتجاهات التصويت. ففي انتخابات 1992، حصلت الأحزاب الصهيونية على 52.3% من الأصوات العربية، وكان حزب العمل وحده قد حصل على 20.6%. وبعد ثلاثة عقود، انخفضت حصة الأحزاب الصهيونية إلى نحو 14.2% في انتخابات 2022.
ويعكس هذا التحول تغيّرًا في العلاقة بين الناخبين العرب والأحزاب الإسرائيلية، وصعود الأطر السياسية العربية المستقلة، لكنه لا يعني أن الناخبين العرب يشكلون كتلة متجانسة أو أن التصويت للأحزاب الصهيونية اختفى.
وقد اتجهت الأصوات العربية في مراحل مختلفة إلى حزب العمل وميرتس وأزرق أبيض والليكود وأحزاب أخرى، وفق اعتبارات سياسية ومحلية واجتماعية متباينة.
وورد في تحليل أجراه مركز مساواة لعام 2021 أن حزب أزرق أبيض حصل على 34,453 صوتًا في البلدات العربية في نيسان 2019، ثم 25,418 صوتًا في آذار 2020. كما حصل الليكود على 12,568 صوتًا في نيسان 2019، و9,355 صوتًا في آذار 2020.
ولا يمكن تفسير التصويت للأحزاب الصهيونية بعامل واحد. فقد يرتبط بالانتماء الحزبي التاريخي، أو بمواقف سياسية واقتصادية، أو بعلاقات محلية مع مرشحين وأحزاب، أو بتوقعات تتعلق بالخدمات الحكومية والتمثيل. كما يمكن أن يتأثر بعدم الرضا عن أداء القوائم العربية أو بالخلاف مع توجهاتها.
لكن المعطيات المتاحة لا تسمح بتحديد وزن كل سبب بصورة دقيقة، ولا بتعميم نمط تصويت واحد على مجموعة دينية أو اجتماعية كاملة.
الجغرافيا والدين والجيل والجندر: مجتمع انتخابي متعدد
تُظهر نتائج انتخابات 2022 اختلافات واضحة بين الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة.
ففي الجليل والشمال، برزت الجبهة والعربية للتغيير، بينما شهد المثلث منافسة متقاربة بين القوائم العربية الثلاث. أما في النقب، فقد حصلت الموحدة على نحو ثلاثة أرباع الأصوات في التجمعات العربية البدوية في الانتخابات. وفي المدن المختلطة، اختلف توزيع الأصوات بين حيفا وعكا ونوف هجليل من جهة، واللد والرملة ويافا من جهة أخرى.
وتتداخل في هذه الاختلافات عوامل تاريخية وتنظيمية واجتماعية، إلى جانب حضور المرشحين المحليين والعلاقات بين الأحزاب والسلطات المحلية.
كما تبرز فروق في المشاركة بين البلدات البدوية المعترف بها والقرى غير المعترف بها في النقب، حيث تؤثر ظروف السكن والبنية التحتية وإمكانية الوصول إلى مراكز الاقتراع في ممارسة الحق الانتخابي.
أما الاستطلاعات الأخيرة، فتلفت إلى فجوات بين الأجيال وبين الرجال والنساء. ويُظهر العرض الذي يستند إلى استطلاعات 2025–2026 أن الفئة العمرية 18–24 عامًا كانت الأقل استعدادًا للمشاركة في القياسات المعروضة، وأن الفجوة بين الرجال والنساء بلغت نحو 18 نقطة مئوية.
وتطرح هذه النتائج أسئلة عن علاقة الشباب بالمؤسسات السياسية، ومدى شعورهم بأن الأحزاب تستجيب لأولوياتهم المتعلقة بالتعليم والعمل والسكن والأمن الشخصي.
أما الاختلافات الدينية، فتحتاج إلى تحليل أكثر حذرًا. فالانتماء الإسلامي أو المسيحي أو الدرزي لا يحدد وحده السلوك الانتخابي، ولا يمكن استخراج نسبة التصويت لكل مجموعة دينية من نتائج البلدات المختلطة دينيًا من دون بيانات إضافية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحولات المتعلقة بالهوية. ففي قياس نيسان 2026 الوارد في العرض المرفق، اختار 33.6% الهوية العربية تعريفًا أولًا، و28% المواطنة الإسرائيلية، و24.8% الانتماء الديني، و13.6% الهوية الفلسطينية. وهي نتائج لسؤال عن الهوية الأولى، ولا تعني أن بقية الهويات غائبة لدى المستطلعين.
ما بعد 7 أكتوبر 2023: الحرب على غزة وإعادة تشكيل العلاقة مع الدولة
تختلف انتخابات 2026 عن الانتخابات السابقة في أنها تجري بعد ثلاث سنوات من الحرب على غزة وما رافقها من تحولات في المجتمع الإسرائيلي عمومًا، وفي مكانة المواطنين العرب الفلسطينيين خصوصًا.
فالحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من قتل ودمار واسع في قطاع غزة، أثّرت بعمق في المجتمع العربي، الذي وجد نفسه أمام واقع معقد يجمع بين مواطنته الإسرائيلية وانتمائه الوطني الفلسطيني وروابطه الإنسانية والاجتماعية مع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على المواقف السياسية، بل امتدت إلى حرية التعبير، والعمل، والتعليم العالي، والعلاقات داخل المؤسسات المشتركة.
فقد وثّقت مؤسسات حقوقية، من بينها مركز مساواة، حالات تحقيق واعتقال وملاحقات تأديبية وفصل من العمل أو الدراسة على خلفية منشورات ومواقف مرتبطة بالحرب. كما أثارت هذه الإجراءات مخاوف بشأن اتساع القيود على التعبير السياسي، خصوصًا لدى المواطنين العرب.
وترافق ذلك مع تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي العدائي تجاه المواطنين العرب، ومع حوادث اعتداء وتهديد وتوتر في الحيز العام.
ومن منظور حقوقي، لا تتعلق هذه التطورات فقط بحق الفرد في التعبير، بل أيضًا بشروط المشاركة السياسية نفسها. فالمواطن الذي يخشى أن يتعرض للملاحقة بسبب رأيه قد يصبح أقل استعدادًا للمشاركة في النقاش العام أو النشاط السياسي.
لكن تأثير هذه الظروف على السلوك الانتخابي ليس محسومًا. فقد تؤدي إلى تعميق فقدان الثقة بالمؤسسات وإلى الامتناع عن التصويت، وقد تدفع في المقابل فئات أخرى إلى اعتبار المشاركة وسيلة للتأثير في السياسات التي تمس حياتها وحقوقها.
ولهذا، فإن ارتفاع المشاركة المتوقع في استطلاعات 2026، إذا تحقق، لا يمكن تفسيره تلقائيًا بوصفه عودة للثقة بالمؤسسة الإسرائيلية أو بالأحزاب العربية. فقد يعكس أيضًا شعورًا متزايدًا بالحاجة إلى الحماية السياسية في ظروف تتسم بعدم اليقين.
الجريمة والعنف: القضية التي تتصدر الأولويات
إلى جانب الحرب على غزة وتداعياتها، أصبحت الجريمة المنظمة والعنف من أبرز القضايا التي تشغل المجتمع العربي.
وتكشف استطلاعات الرأي خلال العامين الأخيرين عن حضور واسع لهذه القضية. ففي القياسات الواردة في العرض المرفق، بلغت نسبة من وضعوا الجريمة والعنف في مقدمة الأولويات 66.5% في كانون الأول 2024، و74.3% في تشرين الثاني 2025، و71.5% في نيسان 2026.
ويؤكد استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية المنشور في أيلول 2026 أن الجريمة في المجتمع العربي تتصدر الاعتبارات الانتخابية لدى المستطلعين العرب، بينما قال 32% إن أحداث 7 أكتوبر تمثل عاملًا مركزيًا في تحديد اختيارهم الانتخابي.
ولا يعني تصدر الجريمة والعنف تراجع أهمية الحرب والقضية الفلسطينية. فنتائج الاستطلاعات تتأثر بطبيعة الأسئلة والخيارات المطروحة، ويظهر العرض المرفق أن إدراج وقف إطلاق النار ضمن الخيارات يرفع حضوره بين أولويات المستطلعين.
وتكشف هذه النتائج عن تداخل الأولويات الوطنية والمدنية والاجتماعية، بدل وجود فصل حاد بينها.
فالأمن الشخصي، وحرية التعبير، والمساواة، والحرب، والسياسات الاقتصادية، كلها تدخل في تقييم المواطنين العرب لأداء الحكومة ولدور الأحزاب في التأثير عليها.
انتخابات 2026: استطلاعات تشير إلى ارتفاع المشاركة وتحول في التمثيل
تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالمشاركة الانتخابية في المجتمع العربي، وإن اختلفت التقديرات بين المؤسسات البحثية.
وبحسب التقديرات الأخيرة للباحث يوسف مقلدة، مدير معهد ستات نت، تتراوح المشاركة العربية المتوقعة بين 68% و69%، مقارنة بنحو 53.2% في انتخابات 2022. . وإذا قورنت تقديرات مقلدة بنتائج 2022، فإن الفارق يبلغ نحو 15–16 نقطة مئوية. لكن هذه مقارنة بين تقدير استطلاعي ونتيجة انتخابية سابقة، وليست قياسًا لارتفاع تحقق فعليًا.
كما تشير تقديرات مقلدة إلى أن نحو 85% من الأصوات العربية قد تتجه إلى القوائم العربية، مقابل نحو 15% إلى أحزاب أخرى صهيونية.
أما استطلاع القناة 13 المنشور في 23 تشرين الأول، والذي شارك معهد ستات نت في إعداده، فقد منح القائمة المشتركة تسعة مقاعد والموحدة سبعة مقاعد، أي 16 مقعدًا للقائمتين معًا.
وتأتي هذه التقديرات في سياق تنافس قائمتين عربيتين: القائمة المشتركة، التي تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس.
لكن ارتفاع التمثيل المتوقع لا يلغي الخلاف بشأن كيفية استخدام القوة البرلمانية.
فالقائمة المشتركة تطرح إمكانية توفير دعم برلماني مشروط لحكومة بديلة من خارج الائتلاف، بينما تتبنى الموحدة موقف المشاركة المباشرة في الائتلاف الحكومي، استنادًا إلى تجربتها خلال حكومة 2021–2022.
ويعكس هذا الاختلاف نقاشًا حول العلاقة بين التمثيل والتأثير: هل يمكن للأحزاب العربية تحقيق مطالب المجتمع من خلال المشاركة المباشرة في الحكومة، أم عبر دعم برلماني مشروط من خارجها؟
وتُظهر استطلاعات 2025–2026 أن مواقف الجمهور العربي من المشاركة الحكومية متعددة. فبحسب المتوسطات الواردة في العرض المرفق، أيد 46.1% الانضمام إلى ائتلاف حكومي دون شروط، و31.9% الانضمام المشروط، و12.1% الدعم من الخارج، فيما رفض 9.9% هذه الخيارات.
وتكشف هذه النتائج عن أهمية التمييز بين الرغبة في التأثير على السياسات وبين الموقف من الانضمام إلى حكومة بعينها.
بين الشراكة السياسية وحدود قبولها
من أبرز المفارقات التي تكشفها استطلاعات الرأي وجود استعداد واسع للشراكة السياسية العربية اليهودية داخل المجتمع العربي، يقابله تشكك في مدى قبولها لدى الجمهور اليهودي.
فبحسب العرض المرفق، أبدى 64% من المستطلعين العرب إيمانًا بالشراكة السياسية العربية اليهودية بدرجة كبيرة أو إلى حد ما. لكن 5% فقط اعتقدوا أن هذه الشراكة تحظى بدعم كبير داخل الجمهور اليهودي.
وتعكس هذه الفجوة إحدى المعضلات المركزية في التمثيل السياسي العربي: فإمكانية التأثير لا تتوقف على عدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب العربية، بل تتأثر أيضًا بمواقف الأحزاب اليهودية واستعدادها للتفاوض معها أو الاعتماد على دعمها.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال حول شرعية مشاركة المواطنين العرب في صنع القرار جزءًا من النقاش الأوسع حول المساواة السياسية، وليس مجرد مسألة حسابات ائتلافية.
من المقاعد إلى السياسات: كيف يُقاس التأثير السياسي؟
شهدت العقود الماضية تجارب مختلفة للتأثير البرلماني العربي، سواء من خلال المعارضة، أو الدعم الخارجي للحكومات، أو المشاركة المباشرة في الائتلاف.
لكن تقييم هذه التجارب لا يمكن أن يعتمد على عدد المقاعد أو الاتفاقيات السياسية وحدها.
فقد أُقرت منذ عام 2000 خطط حكومية لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العربي، بينها القرار الحكومي 922 والقرار 550. وأسهمت في الدفع نحو هذه الخطط جهود متعددة منها مركز مساواة وشملت الأحزاب العربية، ورؤساء السلطات المحلية، والمؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني، إلى جانب الجهات الحكومية.
ومع ذلك، تكشف متابعة التنفيذ عن فجوات بين الميزانيات المخططة والمبالغ التي وصلت فعليًا إلى المشاريع والخدمات.
وبحسب متابعة مركز مساواة لخطة 550، التي خُطط لها بنحو 30 مليار شيكل خلال خمس سنوات، بلغ الإنفاق الذي رصده المركز حتى نهاية 2025 نحو 5.3 مليارات شيكل. ولا تمثل هذه النسبة تقييمًا نهائيًا لكامل مدة الخطة، لكنها تثير أسئلة مهمة بشأن التنفيذ، والعوائق الإدارية، والتقليصات والتحويلات المالية.
وتظهر هذه الفجوات في مجالات مثل التعليم والإسكان والبنية التحتية والمناطق الصناعية والخدمات الاجتماعية.
وتبرز قضية الجريمة المنظمة بوصفها اختبارًا إضافيًا لقدرة السياسات الحكومية على الاستجابة لاحتياجات المواطنين العرب. فالإعلانات الحكومية والخطط المخصصة لمكافحة الجريمة لا تكفي وحدها لقياس النجاح؛ بل يجب النظر إلى التحقيق في جرائم القتل، وتفكيك التنظيمات الإجرامية، وحماية السكان، واستعادة ثقتهم بمؤسسات إنفاذ القانون.
وهكذا، فإن العلاقة بين المشاركة الانتخابية والتأثير السياسي تمر بمراحل مختلفة: الحصول على التمثيل البرلماني، والتأثير في القرارات الحكومية، ثم ضمان تنفيذ تلك القرارات والتأثير على القوانين.
التمييز بالتشريع: سنت الكنيست منذ تأسيسها عشرات القوانين التي تميز ضد المجتمع العربي في إسرائيل، وتشهد الكنيست تصعيد خطير في التشريعات التي تعمق التمييز وقمع الحريات السياسية للمجتمع العربي وبينها قانون القومية اليهودية، قانون التخطيط والبناء، قانون المواطنة وقانون منع الإرهاب.
ولا يمكن الحكم على نتائج أي تجربة سياسية من دون فحص قدرة التأثير على عملية السلام، الحقوق السياسية والقانونية، السياسات الحكومية والتشريعات التي تحمي حقوق المجتمع العربي.
مخاوف عشية الانتخابات: حماية حرية الاقتراع
إلى جانب توقعات ارتفاع المشاركة، برزت مخاوف بشأن أجواء التصويت في البلدات العربية.
فقد أثارت تقارير عن خطة لحزبي الليكود والصهيونية الدينية لنشر نحو ألفي ناشط في مراكز اقتراع عربية، بدعوى مراقبة نزاهة الانتخابات، انتقادات ومخاوف من احتمال حدوث استفزازات أو مواجهات تؤثر على شعور الناخبين بالأمان.
ولا تعني هذه المخاوف أن حوادث الترهيب ستقع بالضرورة، كما أن المراقبة الانتخابية القانونية حق مشروع وفق القواعد المنظمة لها. لكن التمييز بين المراقبة القانونية والترهيب أو التدخل في حرية التصويت يبقى أساسيًا.
وتتحمل السلطات الانتخابية والشرطة مسؤولية ضمان وصول المواطنين إلى صناديق الاقتراع دون تهديد أو مضايقة، وحماية سرية التصويت، ومنع أي محاولة لتعطيل العملية الانتخابية.
وتكتسب هذه المسؤولية أهمية إضافية في ظل التوترات السياسية التي شهدها المجتمع العربي خلال السنوات الأخيرة، وفي ظل العلاقة الحساسة بين المواطنين العرب وأجهزة إنفاذ القانون. هذا ورفضت محكمة العدل العليا إلتماس ضد إدخال أسلحة من قبل مندوبي الأحزاب السياسية الى مراكز الاقتراع.
هل تتحول المشاركة إلى قدرة على التغيير؟
بعد أكثر من ربع قرن على هبّة أكتوبر 2000، لا يمكن اختزال العلاقة بين المجتمع العربي وصندوق الاقتراع في مسار واحد من التراجع أو الصعود.
فقد شهدت المشاركة انخفاضات حادة وارتفاعات متتالية، وتأثرت بوحدة الأحزاب وانقسامها، وبالأحداث السياسية، وبالثقة في القيادات، وبالتوقعات المتعلقة بإمكان التأثير.
وفي الوقت نفسه، شهدت اتجاهات التصويت تحولًا طويل الأمد من دعم واسع للأحزاب الصهيونية إلى تصويت غالبية المشاركين للقوائم العربية، مع استمرار اختلافات جغرافية واجتماعية وسياسية مهمة.
أما انتخابات 2026، فتجري في سياق أكثر تعقيدًا، بعد الحرب على غزة وما رافقها من تحولات في الحريات المدنية والعلاقات بين العرب واليهود، وفي ظل تصاعد أزمة الجريمة والعنف واستمرار الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع محتمل في المشاركة، لكنها لا تحسم دوافع هذا الارتفاع. فقد يكون مرتبطًا بالرغبة في تغيير السياسات، أو بالبحث عن تمثيل أقوى، أو بالخوف من استمرار الأوضاع القائمة، أو بمزيج من هذه العوامل.
كما أن ارتفاع المشاركة لا يعني بالضرورة استعادة الثقة بالأحزاب أو بالمؤسسات الحكومية. فقد يشارك المواطن في الانتخابات رغم خيبة أمله من النظام السياسي، لأنه يرى في التصويت إحدى الأدوات المتاحة للتعبير عن موقفه أو التأثير في القرارات التي تمس حياته.
ولهذا، فإن السؤال الأهم في انتخابات 27 تشرين الأول لا يقتصر على عدد المواطنين العرب الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع، أو عدد المقاعد التي ستحصل عليها القوائم العربية.
السؤال هو ما إذا كان هذا التمثيل سيتحول إلى تأثير فعلي في السياسات الحكومية، وإلى حماية أفضل للحقوق والحريات، وإلى مساواة ملموسة في توزيع الموارد والخدمات والأمن الشخصي.
فنتائج الانتخابات ستكشف حجم المشاركة واتجاهات التصويت، لكنها لن تقدم وحدها إجابة عن أزمة العلاقة بين المواطنين العرب والمؤسسات السياسية.
أما الإجابة الأعمق، فستتحدد في السنوات التالية، من خلال قدرة الحكومة والكنيست والمؤسسات العامة على الاستجابة لمطالب المجتمع العربي، ومدى مساهمة التمثيل السياسي في تغيير السياسات التي تؤثر في حياته ومستقبله.
أحتمالات ضم الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية للائتلاف الحكومي القادم:
تصرح غالبية أحزاب المعارضة والائتلاف انها لن تقبل دعوة الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية الى الائتلاف الحكومي. وتشير معطيات استطلاعات الرأي ان المعسكران لا يملكان الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة بدون الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية، وبهذه الحالة ستتشكل حكومة أقلية تحصل على دعم حزب او اكثر من الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية.






