افتتح مركز مساواة، يوم الجمعة 19 حزيران/يونيو 2026 في مدينة الناصرة، أعمال مؤتمر **"المكانة القانونية للمجتمع العربي"**، بمشاركة نخبة من القانونيين والأكاديميين والحقوقيين والناشطين، لبحث التحولات القانونية والسياسية التي يشهدها المجتمع العربي في ظل التغييرات التي تقودها الحكومة الإسرائيلية، وانعكاساتها على الحريات العامة، واستقلال القضاء، والتمثيل السياسي، وحقوق المواطنين العرب. وشكل المؤتمر مساحة للنقاش وتبادل الخبرات حول التحديات القانونية الراهنة، وسبل تعزيز العمل القانوني والمؤسساتي في مواجهة السياسات التي تمس بالمكانة القانونية للمجتمع العربي.
وتناول المحور الأول، الذي حمل عنوان *"الحريات والقضاء والتمثيل العربي في ظل الانقلاب القضائي"، انعكاسات خطة الانقلاب القضائي على المجتمع العربي، وواقع الحريات العامة، واستقلال القضاء، ومستقبل التمثيل العربي، بمشاركة الحقوقية نبال عردات، مركزة المرافعة القانونية في مركز مساواة، التي أدارت الجلسة، إلى جانب المحامي محمد نعامنة، رئيس لواء الشمال في نقابة المحامين وعضو لجنة تعيين القضاة، والدكتورة سماح الخطيب أيوب، المديرة العامة للجنة متابعة قضايا التعليم العربي، والمحامي حسين مناع، عضو إدارة مركز مساواة، والمحامي شحدة بن بري، والمحامي حسين أبو حسين.
استهلت نبال عردات الجلسة بالتأكيد أن النقاش يأتي في مرحلة سياسية وقانونية تشهد تصاعداً غير مسبوق في سياسات الإقصاء والتمييز، وفي ظل إدارة منظومة الحكم باتجاه يهدد جوهر الحقوق والحريات. وقالت إن هذا اللقاء "ليس مجرد مساحة للحوار، بل مساحة للمواجهة وقراءة نقدية لواقع يزداد فيه استهداف وجودنا السياسي والمدني، وتُستخدم فيه الأدوات التشريعية والقضائية لإعادة تشكيل العلاقة مع الأقلية العربية بما يمس حقوقها الأساسية".
وأضافت أن الحديث عن الانقلاب القضائي يجب أن يوضع في سياقه الأوسع بالنسبة للمجتمع العربي، مؤكدة أن التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في الداخل لم تبدأ مع خطة الانقلاب القضائي، وإنما هي امتداد لعقود من السياسات التمييزية، مروراً بأحداث هبة أكتوبر عام 2000 وما رافقها من قتل 13 شاباً عربياً واعتقال العشرات، وصولاً إلى سلسلة من القوانين التي قيدت الحيز الديمقراطي، وفي مقدمتها قانون القومية الذي رسخ التمييز على المستوى الدستوري. وأوضحت أن الإشكاليات في جهاز القضاء وسلطات إنفاذ القانون ومحدودية الحماية القضائية هي إشكاليات بنيوية وتراكمية، وأن الجلسة تسعى إلى قراءة مكانة المجتمع العربي بين مرحلتي ما قبل الانقلاب القضائي وما بعده، باعتباره تحولاً يمس جوهر المساواة والحيز الديمقراطي.
واستعرض المحامي محمد نعامنة الأبعاد القانونية لخطة الانقلاب القضائي، مشيراً إلى أنها ليست مشروعاً جديداً، وإنما خطة بدأت قبل سنوات لإعادة هندسة مراكز القوة داخل الدولة وإضعاف أجهزة الرقابة على الحكومة. وقال إن المناخ الذي سمح بتسريع تمرير هذه القوانين ارتبط أيضاً بحالة الحرب منذ السابع من أكتوبر، الأمر الذي استغلته الحكومة لتوسيع صلاحياتها.
وأوضح أن البرنامج الحكومي يستهدف إضعاف منظومة الرقابة، وفي مقدمتها المستشارة القضائية للحكومة، إلى جانب إلغاء "حجة المعقولية"، التي شكلت إحدى الأدوات الأساسية التي استخدمتها المحكمة العليا لمراجعة القرارات الحكومية التي تمس حقوق الإنسان. كما تناول التعديلات المقترحة على لجنة تعيين القضاة، مؤكداً أن الهدف منها هو إخضاع عملية التعيين للاعتبارات السياسية وتعيين قضاة موالين للحكومة، بما يمس بصورة مباشرة باستقلال القضاء.
وأشار نعامنة إلى أن المجتمع العربي اعتمد تاريخياً على المسار القضائي للدفاع عن حقوقه بسبب محدودية تأثير العمل البرلماني العربي، موضحاً أن المحكمة كانت في كثير من الأحيان الساحة التي أمكن من خلالها مواجهة قرارات تمس بالتمثيل السياسي، مثل محاولات شطب القوائم العربية. وأضاف أن الحكومة تعمل اليوم على تصوير المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة كجهات تعيق عملها، مستغلة أجواء الحرب لتأليب الرأي العام ضد مؤسسات الرقابة. كما كشف أن الحكومة أخرجت ممثلي نقابة المحامين من لجنة تعيين القضاة لإضفاء طابع سياسي على اللجنة، مشيراً إلى أن نقابة المحامين قدمت التماساً إلى المحكمة العليا ضد هذه الخطوة.
من جهته، قدم المحامي شحدة بن بري قراءة نقدية لطبيعة النظام القانوني الإسرائيلي، معتبراً أن القوانين الإسرائيلية تستند إلى منظومة تخدم الأغلبية اليهودية، وأن المجتمع العربي يعمل منذ سنوات ضمن هامش قانوني محدود للدفاع عن حقوقه، إلا أن هذا الهامش يتقلص بصورة متسارعة.
واستعرض مثال قضايا النقب، حيث جرى تقليص إمكانية اللجوء إلى القضاء في ملفات الهدم، وتحويلها إلى مسارات إدارية داخل الجهات المنفذة نفسها، الأمر الذي يضعف الرقابة القضائية ويحد من قدرة المواطنين على الدفاع عن حقوقهم. وأكد أن الديمقراطية لا تقتصر على نتائج الانتخابات أو حكم الأغلبية، وإنما تقوم على منظومة من الضوابط والتوازنات التي تكفل حماية حقوق الأقليات.
وقال بن بري إن ما يجري اليوم هو "قوننة للعنصرية"، إلى جانب سيطرة متزايدة على مؤسسات الحكم واختراق للأجهزة المهنية، مضيفاً: "نحن لا ننضم إلى النضال ضد الانقلاب القضائي حباً بالمنظومة القائمة، وإنما لأن غياب ما تبقى من الحيز الليبرالي سيحول المحاكم إلى أروقة فاشية مباشرة". كما حذر مما وصفه بـ"الإرهاب القضائي"، مشيراً إلى حالات تعرض فيها محامون لغرامات بسبب حديثهم عن تعذيب أسرى وسجناء، بذريعة التشهير بمصلحة السجون، معتبراً أن ذلك يشكل تهديداً خطيراً لحرية العمل الحقوقي والقانوني.
وركزت الدكتورة سماح الخطيب أيوب على واقع جهاز التربية والتعليم العربي، مشيرة إلى أن المنظومة التعليمية تعيش أوضاعاً معقدة ازدادت صعوبة منذ السابع من أكتوبر. وقالت إن التعويل على الجهاز القضائي في القضايا الجماعية كان محدوداً حتى قبل الانقلاب القضائي، إلا أن قانون القومية قوض بصورة أكبر إمكانيات الدفاع عن الحقوق الجماعية في المحاكم.
وأضافت أن المرحلة الأخيرة شهدت انتقال الفكر العنصري إلى مستوى الممارسة، من خلال ملاحقة طالبات وطلاب ومعلمين بسبب مواقفهم أو تعبيرهم عن مشاعر إنسانية أو آراء نقدية. كما استعرضت القانون الذي أقره الكنيست في نهاية عام 2024، والذي منح المدير العام لوزارة التربية والتعليم، وهو منصب سياسي، صلاحية فصل العاملين في جهاز التعليم بدعوى التماهي مع الإرهاب، إلى جانب صلاحية اقتطاع ميزانيات من المؤسسات التعليمية.
وأكدت أن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي لا تكتفي بالمسار القضائي، وإنما تعمل على تطوير مشاريع تعزز حرية التعبير والحصانة النفسية لدى الطلبة والطواقم التعليمية، في مواجهة ما وصفته بمحاولات "هندسة الوعي"، التي تسعى إلى تحويل المعلم الفلسطيني إلى مجرد ناقل للمعلومات ومنتج للعلامات، بعيداً عن هويته الوطنية وقضاياه.
أما المحامي حسين أبو حسين، فتناول العلاقة بين السلطة والمواطن العربي من منظور المكانة القانونية، مؤكداً أن هذه المكانة تعكس طبيعة تعامل مؤسسات الدولة مع المواطنين العرب. وقال إن المرحلة الحالية تشهد تغولاً متزامناً للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، مضيفاً أن "المحكمة العسكرية في جنين عام 1976 كانت أرحم من المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2026"، في إشارة إلى التراجع في مستوى الحماية القضائية.
وتطرق إلى القوانين الأخيرة، ومنها قانون تعويض متضرري الإرهاب، الذي اعتبر أنه يكرس تمييزاً واضحاً في قيمة التعويضات بين المواطنين اليهود والعرب. كما تناول سياسات الأرض، مشيراً إلى أن الدولة تسيطر على نحو 97% من الأراضي، وتستخدم أدوات قانونية جديدة، مثل دعاوى "إزالة الشيوع"، لهدم المنازل العربية، حتى في الحالات التي تكون فيها الأبنية مرخصة، من خلال وحدات إدارية تعمل بصورة مباشرة تحت سلطة الوزراء، بعيداً عن رقابة النيابة العامة.
من جانبه، استعرض المحامي حسين مناع انعكاسات تقويض الرقابة القضائية على العمل الميداني، مؤكداً أن التراجع في استقلال القضاء انعكس مباشرة على واقع الحريات العامة. وأشار إلى تصاعد الاعتقالات على خلفية التعبير عن الرأي، والاعتداء على المعتقلين، وتقديم لوائح اتهام بحق أشخاص بسبب نشر آية قرآنية أو عبارات عادية على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال إن ما يجري يشبه "الاعتقالات الإدارية اليومية" داخل المجتمع العربي، إلى جانب توسيع صلاحيات وحدات محاربة البناء التي تفرض غرامات مالية مرتفعة دون إجراءات قضائية كاملة. وأضاف أن الرسالة التي تحاول السلطات تكريسها هي أن "ليس لك حق في التعبير"، مستشهداً بالطريقة التي جرى فيها التعامل مع رئيس لجنة المتابعة العليا أثناء توجهه إلى مظاهرة سلمية، معتبراً أن ذلك يمثل رسالة ترهيب واضحة للمجتمع العربي. وأكد أن الصلاحيات تنتقل بصورة متزايدة إلى السلطة التنفيذية، على حساب سلطة القانون والرقابة القضائية.
وفي ختام الجلسة، أجمع المشاركون على أن مواجهة هذه التحولات تتطلب إلى جانب العمل القانوني تعزيز التنظيم المجتمعي والمؤسساتي. ودعا المحامي حسين أبو حسين إلى إنشاء نقابات مهنية عربية مستقلة، تشمل المحامين والأطباء والممرضين وسائر المهن، بما يعزز قدرة المجتمع العربي على الدفاع عن مصالحه وحقوقه. كما شدد المحامي محمد نعامنة على ضرورة مراجعة أدوات العمل السياسي والبرلماني، وتعزيز التمثيل العربي في مواقع صنع القرار، مؤكداً أن تراجع الحضور السياسي يسهل على الحكومات اليمينية تمرير المزيد من السياسات التي تستهدف الحقوق والحريات والمكانة القانونية للمجتمع العربي.






