#
ضمن أعمال مؤتمر "المكانة القانونية للمجتمع العربي" الذي عقده مركز مساواة في الناصرة يوم الجمعة 19 حزيران/يونيو 2026، خُصص المحور الثاني لمناقشة **"القانون كأداة للسيطرة على الأرض والحيز العربي: التخطيط والبناء بين القانون والعقاب"**، حيث ناقش مختصون في القانون والتخطيط والهندسة انعكاسات سياسات التخطيط والبناء، وقانون كامينيتس، وأوامر الهدم، والتمثيل العربي في مؤسسات التخطيط، على مستقبل البلدات العربية وحق المواطنين في الأرض والمسكن.
وأدارت الجلسة المحامية لمى نشاشيبي، التي افتتحت النقاش بالتأكيد أن قضايا التخطيط والبناء لم تعد مجرد ملفات قانونية أو مهنية، بل أصبحت تمس الحياة اليومية للمواطنين وحقهم في السكن والأمان والاستقرار. وأشارت إلى أن التجربة اليومية لمركز مساواة في هذا المجال تظهر أن الأزمة لا تكمن في البناء غير المرخص بحد ذاته، وإنما في منظومة تخطيطية خلقت فجوات عميقة بين البلدات العربية واليهودية، من خلال غياب الخرائط الهيكلية، وتضييق مسطحات البناء، مقابل تصاعد سياسات الإنفاذ والهدم، خاصة بعد تعديل قانون كامينيتس.
وأضافت أن مشاهد الهدم، ولا سيما في النقب، تكشف البعد الإنساني لهذه السياسات، حيث تضطر عائلات إلى هدم منازلها بأيديها، الأمر الذي لا يهدم المباني فحسب، بل يمس الإحساس بالأمان والانتماء. وأكدت أن السؤال المركزي الذي يطرحه المؤتمر هو: كيف يمكن الانتقال من سياسة تقوم على الهدم والعقاب إلى سياسة تعترف بحق الناس في التخطيط العادل والتنمية.
أزمة التخطيط في كفر قرع
استعرضت المهندسة **إيناس خورشيد**، معمارية ومخططة مدن ومهندسة بلدية كفر قرع، الواقع التخطيطي في البلدة، موضحة أن الخارطة الهيكلية الوحيدة التي تسمح بإصدار رخص بناء تعود إلى عام 1983، ولم تُحدّث منذ أكثر من أربعة عقود، الأمر الذي جعل استصدار رخص البناء شبه مستحيل.
وأشارت إلى أن نحو نصف المباني في كفر قرع، أي ما يقارب 2500 وحدة سكنية من أصل خمسة آلاف، غير مرخصة، مؤكدة أن السبب لا يعود إلى تجاهل القانون، بل إلى غياب الإمكانيات القانونية للبناء.
وتطرقت إلى الخارطة الشمولية التي أودعت عام 2020، موضحة أنها استندت إلى تصوير جوي يعود إلى عام 2014، ما جعلها لا تعكس الواقع العمراني القائم، كما أنها اعتمدت كثافات سكانية مرتفعة وغير واقعية بعد تعديل "تم"א 35"، الأمر الذي انعكس سلباً على تخصيص المساحات العامة والشوارع والمرافق والخدمات.
وأضافت أن اعتراضات البلدية على الخارطة لم تُقبل، كما بقي الاستئناف أمام اللجان المختصة معلقاً لفترة طويلة دون حسم واضح. وأوضحت أن إيداع خارطة "وتم"ל 1116"، التي تشمل نحو 2400 دونم وما يقارب 11 ألف وحدة سكنية، كان يهدف إلى تسوية أوضاع الأبنية القائمة، إلا أن سلطات الإنفاذ باشرت بتنفيذ أوامر هدم حتى قبل انتهاء الإجراءات التخطيطية، وهو ما وصفته بأنه تناقض واضح، إذ قد يصبح البيت نفسه قابلاً للترخيص بعد المصادقة النهائية على الخارطة.
وأكدت خورشيد أن تحقيق العدالة التخطيطية يتطلب تعزيز التمثيل العربي في لجان التخطيط المحلية واللوائية والقطرية، معتبرة أن المسألة لا تتعلق بالمساواة الشكلية، بل بوجود أصحاب خبرة يفهمون خصوصية المجتمع العربي وقضايا ملكية الأراضي.
كما لفتت إلى إحدى المشكلات القانونية المعقدة، والمتمثلة بعدم تسجيل أراضٍ حصل عليها أصحابها بموجب اتفاقيات مع الدولة بعد المصادرة، رغم مرور أكثر من خمسين عاماً على بعض هذه الاتفاقيات. وأوضحت أن هذا الخلل أدى إلى ظهور سلطة أراضي إسرائيل كمالك رسمي لتلك الأراضي خلال إجراءات التوحيد والتقسيم، رغم امتلاك المواطنين اتفاقيات تثبت حقوقهم، محذرة من المخاطر القانونية المستقبلية إذا بقيت الأراضي غير مسجلة بأسماء أصحابها، وداعية إلى تحرك قانوني جماعي لإلزام سلطة أراضي إسرائيل بتنفيذ التزاماتها.
### التخطيط في النقب بين الاعتراف والاقتلاع
وتناول المعماري ومخطط المدن **منصور الصانع** خصوصية التخطيط في النقب، مؤكداً أن الخلاف ليس تقنياً، بل يتعلق بفلسفة التخطيط نفسها. وقال إن وظيفة التخطيط هي تحسين الواقع القائم، بينما تستخدمه الدولة في النقب كوسيلة لمحو هذا الواقع، وفصل الإنسان عن أرضه وتاريخه وملكيته.
وأوضح أن الدولة تربط الاعتراف بالقرى والحصول على الخدمات الأساسية بتنازل المواطنين عن ملكيتهم التاريخية للأرض، معتبراً أن هذا يفرغ مفهوم الاعتراف من مضمونه. وقال: **"لا يكفي الاعتراف بالقرية، بل يجب الاعتراف بالإنسان أولاً، وبحقه في أرضه وهويته وتاريخه."**
وأضاف أن بعض القرى التي أعلن عن الاعتراف بها بقيت دون تطوير فعلي بسبب غياب الميزانيات، فيما استمرت أوامر الهدم بحق السكان الذين رفضوا الانتقال إلى تجمعات جديدة، معتبراً أن الاعتراف الحقيقي يجب أن يشمل البنية التحتية والميزانيات والحق في البقاء في المكان، لا مجرد إعلان سياسي.
### قانون كامينيتس بعد قرار "جرين"
من جانبه، تناول المحامي **مثقال سمارة** الآثار القانونية المترتبة على قرار المحكمة العليا في قضية "جرين"، موضحاً أن القرار عزز التشدد في تطبيق قانون كامينيتس، بعدما اعتبرت المحكمة أن الحد الأدنى للغرامات الإدارية لا يمكن تخفيضه إلا في ظروف استثنائية للغاية.
وأشار إلى أن هذا القرار جعل اللجوء إلى المحكمة مخاطرة مالية حقيقية بالنسبة للمواطنين، بعدما فقد القضاة هامش المرونة الذي كان متاحاً سابقاً في تقدير العقوبات وفق ظروف كل قضية.
وأكد سمارة أن الفارق بين المجتمعين العربي واليهودي يكمن في أن البناء غير المرخص في البلدات اليهودية يكون غالباً خياراً، بينما هو في المجتمع العربي نتيجة مباشرة لغياب التخطيط وغياب الخرائط وإمكانية الترخيص.
وأضاف أن قرار "جرين" أضعف أيضاً إمكانية الدفع بادعاء الإنفاذ الانتقائي، وأصبح المواطن العربي يُعاقب على فشل مؤسسات الدولة في توفير التخطيط المناسب، قائلاً: **"قانون كامينيتس لم يحل أزمة التخطيط، بل عاقب المواطنين على أزمة صنعتها مؤسسات الدولة."**
كما أشار إلى أن القانون سحب صلاحيات واسعة من لجان التنظيم المحلية، ومنح سلطة الإنفاذ القطرية صلاحيات مباشرة للتدخل، الأمر الذي قلص دور السلطات المحلية في إدارة ملفات البناء.
وتطرق كذلك إلى قانون استملاك الأراضي لعام 1953، داعياً إلى إعادة الأراضي التي لم تستخدم للأغراض التي صودرت من أجلها، وإيجاد حلول قانونية لأوامر الهدم القديمة داخل البلدات العربية، من خلال إعداد خرائط تفصيلية تتيح تسوية أوضاع آلاف المنازل القائمة. كما دعا السلطات المحلية إلى تخصيص ميزانيات أكبر للتخطيط والتنظيم، مؤكداً أن مواجهة الأزمة تتطلب أيضاً عملاً مهنياً منظماً إلى جانب النضال القانوني والسياسي.
# القانون كأداة للسيطرة على الأرض والحيز العربي: دعوات لإصلاح منظومة التخطيط ووقف استخدام القانون كأداة للعقاب (2/2)
وتطرقت المعمارية والمخططة **ميس مدار عقل**، من المركز العربي للتخطيط البديل، إلى العلاقة بين القرارات السياسية ومؤسسات التخطيط، معتبرة أن تضييق الحيز العمراني للبلدات العربية لا يمكن فصله عن تركيبة المؤسسات التي تدير سياسات الأرض والتخطيط.
وتوقفت عند تعيين **يهودا إلياهو** مديراً لسلطة أراضي إسرائيل، واصفة هذا التعيين بأنه يحمل انعكاسات بعيدة المدى على مستقبل البلدات العربية، في ظل مواقف إلياهو المعروفة وقربه من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ودوره السابق في تأسيس جمعية "ريغافيم" التي عملت على ملاحقة الوجود العربي في قضايا الأرض والسكن.
وأوضحت أن المركز العربي للتخطيط البديل تقدم بالتماس إلى المحكمة العليا ضد التعيين، استند إلى تصريحاته العنصرية وإلى وجود ثغرات قانونية في إجراءات الاختيار، مشيرة إلى أن مرشحين آخرين حصلوا على تقييمات مهنية أعلى منه. وأضافت أن المحكمة أصدرت أمراً مشروطاً يطالب الحكومة بتبرير قرارها، معربة عن أملها في أن يؤدي ذلك إلى إلغاء التعيين.
من جانبه، تناول المحامي **سامح عراقي**، نائب رئيس بلدية الطيرة والمسؤول عن ملف التخطيط والهندسة، البعد البنيوي للأزمة، مؤكداً أن جذورها لا تقتصر على قوانين التخطيط، وإنما تمتد إلى منظومة قانونية كاملة تضم قانون أملاك الغائبين، وقانون استملاك الأراضي لعام 1953، وقانون التنظيم والبناء.
وأوضح أن قانون التنظيم والبناء صُمم أساساً للتعامل مع أراضي الدولة، بينما تتكون غالبية البلدات العربية من أراضٍ خاصة متعددة الملكيات، وهو ما يجعل تطبيق القانون عليها أكثر تعقيداً. واستعرض تجربة الطيرة، حيث استغرقت عملية إعداد الخارطة الهيكلية نحو سبعة عشر عاماً، فيما تعطلت مخططات لاحقة بسبب نزاعات مرتبطة بأراضٍ صودرت في الخمسينيات، رغم استمرار أصحابها بزراعتها واستعمالها حتى اليوم.
وأشار إلى أن المواطنين لم يتمكنوا من انتظار سنوات طويلة حتى انتهاء الإجراءات التخطيطية، فاضطروا إلى البناء لتلبية احتياجاتهم السكنية، ثم جاء قانون كامينيتس ليحولهم إلى مخالفين يواجهون أوامر الهدم، رغم أن الأزمة تعود إلى تأخر مؤسسات الدولة نفسها.
كما تطرق إلى الإشكاليات الناتجة عن قانون أملاك الغائبين، موضحاً أن الدولة أصبحت شريكاً في أجزاء من الأراضي الخاصة داخل البلدات العربية، الأمر الذي يخلق عقبات كبيرة عند تنفيذ مخططات التوحيد والتقسيم، ويكرس، بحسب تعبيره، "غبناً تاريخياً" عبر أدوات التخطيط الحديثة.
وأكد عراقي أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات قانونية، من بينها تعديل آليات التوحيد والتقسيم بما يراعي خصوصية الملكية الخاصة، وإعادة النظر في قانون استملاك الأراضي، وإدخال استثناءات على قانون كامينيتس تمنع تنفيذ أوامر الهدم عندما تكون المخططات التفصيلية في مراحل متقدمة، إلى جانب تخصيص السلطات المحلية ميزانيات أكبر لإعداد الخرائط والمخططات.
بدوره، استعرض المحامي **شاكر بلعوم**، رئيس اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن في الطيرة، الانعكاسات الميدانية لأوامر الهدم، مؤكداً أن اللجان الشعبية تواجه بشكل يومي عمليات الهدم التي تنفذها السلطات، في ظل غياب حلول تخطيطية حقيقية.
وأوضح أن أزمة السكن لا تقتصر على الطيرة، وإنما تمتد إلى مختلف البلدات العربية، حيث توجد مئات المنازل المهددة بالهدم بسبب غياب الخرائط أو تأخر المصادقة عليها، مستشهداً بالمنطقة الشمالية الشرقية في الطيرة التي ينتظر سكانها منذ أكثر من عقدين إيداع الخارطة التفصيلية.
وأشار إلى أن لهذه الأزمة آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة، خاصة على فئة الشباب، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن بناء مساكن على أراضيهم الخاصة، معتبراً أن فقدان الأفق السكني يسهم أيضاً في تفاقم الأزمات الاجتماعية والعنف داخل المجتمع العربي.
وشدد بلعوم على أن الأولوية التشريعية يجب أن تكون لإلغاء قانون كامينيتس، واصفاً إياه بأنه من أخطر القوانين التي مست بوجود المجتمع العربي، وبصلاحيات المحاكم في تجميد أوامر الهدم، داعياً إلى موقف موحد من أعضاء الكنيست العرب لإلغاء هذا القانون.
وفي تعقيبها، أوضحت المهندسة **إيناس خورشيد** أن قانون كامينيتس، وهو التعديل رقم 116 لقانون التنظيم والبناء، يتضمن ثغرات تسمح لسلطة الإنفاذ بالتدخل حتى في الحالات التي تكون فيها المخططات التفصيلية في مراحل متقدمة، معتبرة أن هدم منزل يقع داخل منطقة معدة للسكن وقابلة للترخيص يناقض المنطق التخطيطي.
وكشفت أنها أعدت مسودة لتعديل القانون، تقترح إدخال استثناءات تمنع تنفيذ أوامر الهدم عندما يكون الترخيص ممكناً خلال فترة قصيرة، مؤكدة أن هناك سوابق قانونية يمكن البناء عليها لتخفيف الآثار القاسية للقانون.
من جهته، أيد المحامي سامح عراقي هذا الطرح، مشيراً إلى أن المجال ما زال مفتوحاً لإجراء تعديلات مهنية على بعض القوانين، سواء في آليات التوحيد والتقسيم، أو في قانون استملاك الأراضي، أو في تطبيق قانون كامينيتس، بما يمنع هدم المنازل التي أصبحت قريبة من التسوية القانونية بسبب تقدم إجراءات التخطيط.
وخلال النقاش، دعا أحد المشاركين من الحضور إلى تعزيز التعاون بين أعضاء الكنيست والسلطات المحلية، معتبراً أن مواجهة سياسات الهدم تتطلب موقفاً جماعياً أكثر حزماً، وأضاف أن قانون التنظيم والبناء يبدأ بتنظيم المؤسسات والخرائط والرخص، بينما "بدأ تطبيقه في المجتمع العربي من باب العقوبات".
وفي المداخلة الختامية، قال المعماري **منصور الصانع** إن المجتمع العربي انتقل من مرحلة التمييز العنصري التقليدي إلى "تمييز عنصري مركب"، موضحاً أن مؤسسات الدولة المختلفة تعمل أحياناً بصورة متوازية؛ فبينما تؤخر لجان التخطيط المصادقة على المخططات، تستمر سلطات الإنفاذ في إصدار أوامر الهدم، الأمر الذي يجعل المواطنين العرب من أوائل المتضررين من التحولات القانونية والسياسية الجارية.
واختتمت المحامية **لمى نشاشيبي** الجلسة بالتأكيد أن الرسالة المركزية لهذا المحور تتمثل في رفض التعامل مع التخطيط كأداة للهدم والعقاب، مشددة على أن ما تشهده بلدات مثل النقب والطيرة وطرعان وعرابة وغيرها لا يمكن اختزاله في مخالفات بناء، بل يعكس أزمة تخطيطية تراكمية نتجت عن سياسات الإقصاء وغياب الاعتراف والخرائط العادلة.
وأكدت أن المطلوب هو تغيير قواعد المنظومة التخطيطية، من خلال إعادة النظر في قانون التنظيم والبناء وتعديلاته، وإنهاء ملف الخرائط الهيكلية العالقة، وتوسيع مناطق النفوذ، وتعزيز تمثيل المهندسين والمخططين وممثلي المجتمع العربي في لجان التخطيط المحلية والقطرية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة التخطيطية.
وشددت على أن الحق في السكن والأرض والكرامة ليس امتيازاً تمنحه الدولة، بل حق أساسي يفرض على مؤسساتها اعتماد سياسات تخطيط عادلة تكفل المساواة لجميع المواطنين.
وفي مداخلة ختامية من الحضور، أكد أحد المشاركين أن جوهر الأزمة سياسي بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن المحاكم ترفض في كثير من الأحيان تجميد أوامر الهدم بحجة أن الترخيص ليس قريباً، رغم أن تأخر الترخيص سببه مؤسسات الدولة نفسها. وخلص إلى أن معالجة الأزمة تتطلب نضالاً متكاملاً يجمع بين العمل المهني والقانوني والسياسي والشعبي، ولا يكتفي بالحلول الجزئية أو المؤقتة.






